Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

كيف أجد حلاوة الإيمان؟ رحلة اليقين والرضا في عقيدة المسلم

مقال عقدي متأصل يستلهم توجيهات الدكتور جابر بغدادي لبيان حقيقة تذوق حلاوة الإيمان، وكيفية تجاوز محن الحياة وابتلاءاتها من خلال إرساء عقيدة الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، مع بيان الفهم الصحيح لعقيدة القَدَر والرد الحاسم على المفاهيم الجبرية الخاطئة.

مدخل إلى طمأنينة القلوب في زمن المضطربات

يمر الإنسان في رحلة حياته بمنعطفات قاسية، ومحن تزلزل أركان النفس إن لم تكن معتصمة بحبل الله المتين.
فقد يجد المرء نفسه يعاني من قلق ينهش صدره، أو فجيعة بفقد عزيز أو موت قريب، فيقف حائراً لا يعرف كيف يرضى، ولا يهتدي إلى سبيل الصبر.
وقد يتعرض لخيانة من صديق أودعه سره وثقته، أو يشعر باضطهاد وظلم في هذا العالم المتلاطم.
في خضم هذه المعاناة، يبرز التوجيه النبوي الشريف كطوق نجاة، ودواء ناجع لكل قلب مكلوم.
فإذا أردت أن تنجو من غياهب هذا القلق، فاكتب هذه الكلمة النبوية بماء الذهب على لوح قلبك ومكتبك، واجعلها نصب عينيك: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً»⁽¹⁾.
إن الإيمان ليس مجرد كلمات تُردد، بل له ذوق وطعم، وحلاوة تتشربها الأرواح، فتنقلها من ضيق الدنيا إلى سعة الشهود واليقين.

ما هي حلاوة الإيمان؟ تجليات اليقين في قلب المؤمن

يطرح فضيلة الدكتور جابر بغدادي تساؤلاً عقدياً وتزكوياً هاماً: ما هي حلاوة الإيمان؟ وما هو طعم هذا الإيمان الذي يغير نظرة الإنسان للوجود بأسره؟
إن طعم الإيمان يتجلى في أن تثق بالله ثقة مطلقة فلا يخالجك الشك أبداً، وأن تفرح بفضل الله ورحمته فلا يغلبك الحزن على ما فاتك من الدنيا.
فمن استقر في عقيدته أن رزقه مكتوب ومكفول من عند الله الحي القيوم، فلا يمكن أن يحزن أو ييأس.
ساعة أن تذوق حلاوة الإيمان، ويلامس هذا الذوق وجدانك وأعماق روحك، ستتغير استجابتك لكل مخاوف الحياة.
فأي شيء يثير الرعب أو الخوف في قلبك، سترده عنك بيقين الأنبياء، مردداً قول الله عز وجل على لسان نبيه موسى عليه السلام حين أدركه فرعون وجنوده: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽²⁾.
هذا هو اليقين الجازم الذي لا يتزعزع، والذي يرى النور في أحلك اللحظات.
ويستفيض الشيخ في بيان معاني هذه الحلاوة المتعددة، فنتساءل معه:
ما هي حلاوة الإيمان؟ هي اليقين الراسخ، والفرحة الدائمة بالله، والشهود القلبي لأفعال الله، والقرب منه سبحانه.
ما هي حلاوة الإيمان؟ هي الثقة التامة في تدبير الخالق.
ما هي حلاوة الإيمان؟ هي الاستغناء بالله عما سواه، فلا يلتفت القلب إلى مخلوق ضعيف.
ما هي حلاوة الإيمان؟ هي التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة شرك أو رياء.
ما هي حلاوة الإيمان؟ هي الأنس بالله في الخلوات والجلوات.
ما هي حلاوة الإيمان؟ هي الرضا الكامل عن الله وفي الله.
ما هي حلاوة الإيمان؟ هي ذلك النور الإلهي الذي يقذفه الله في قلب عبده، والذي به نعرف ونميز بين الحق والباطل.
ما هي حلاوة الإيمان؟ هي السعادة الحقيقية، والطمأنينة العميقة، والسكينة التي تتنزل على القلب.
كل هذه المعاني الجليلة، من حب، وثقة، وقرب، وشهود، وسكينة، وتجلي، وذكر، وفكر، وقبول، وعناية، تتجمع في بوتقة واحدة: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً».

الإيمان بالقدر وحسن الظن بالله: تحذير من الفهم الجبري

من أهم التوجيهات العقدية التي يبرزها هذا الفهم النبوي، هو أن نتعلم الأدب مع الله في أقداره.
أن نتعلم ألا نعترض على تدبير الله قائلين في استنكار وتسخط: "لماذا حصل لي هذا؟"، أو "هل لا يوجد غيري في هذا الكون لابتلى؟"، أو "لماذا يحدث معي أنا بالذات هذا الأمر؟".
وهنا يجب أن نقف وقفة عقدية صارمة؛ لكي لا يُفهم من هذا التسليم والانقياد أنه دعوة إلى "العقيدة الجبرية" الباطلة، التي تسلب الإنسان إرادته وتدفعه للتواكل وترك العمل تحت ستار الرضا بالقدر.
إن عقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على أن الإنسان مأمور باتخاذ الأسباب والسعي في الأرض ودفع البلاء بالدعاء والعمل، ولكن إذا وقع المقدور بعد استنفاد الأسباب، فهنا يأتي دور الرضا والتسليم.
الرضا بالقدر لا يعني الاستسلام للظلم أو ترك التداوي من المرض، بل يعني أن يعتقد المؤمن يقيناً أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن وراء كل محنة حكمة إلهية خافية، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾⁽³⁾، وقوله عز وجل: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾⁽⁴⁾.
إن التوجيه هنا ينصب على "توحيد الأفعال"؛ وهو أن تشهد أن الله هو الفاعل المختار، وأن تسلم لحكمته بعد وقوع الأمر، محذراً إياك من سوء الظن بالله أو الاعتراض على مراده، مع بقاء تكليفك الشرعي بالسعي والإصلاح.

دولة الحب المتبادل: حال أولياء الله الصالحين

إذا أردت أن تعيش وتتذوق كل هذه المعاني العظيمة، وتجد هذا الطعم الذي عبر عنه ساداتنا من العارفين بالله، وعلى رأسهم إبراهيم بن أدهم ⁽⁵⁾ حين قال مقولته الشهيرة: "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف"⁽⁶⁾.
هذه هي حلاوة الإيمان الحقيقية التي لا تقدر بثمن ولا تُشترى بالذهب.
ولكي تفهم هذا الحال الشريف، اقرأ وتأمل قول الحق تبارك وتعالى في وصف أوليائه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾⁽⁷⁾.
لماذا لا يخافون ولا يحزنون؟ لأنهم عاشوا في "دولة الحب المتبادل" مع الله، أحبوه فأحبهم، ورضوا عنه فرضي عنهم.

أركان الرضا الثلاثة: خريطة الطريق إلى حلاوة الإيمان

كيف نصل إلى هذه المنزلة؟ كيف نرضى عن الله؟ وكيف نرضى بالإسلام؟ وكيف نرضى بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ يجيب الشيخ جابر ببيان عقدي وتزكوي دقيق، مقسماً إياها إلى ثلاث مقامات:

أولاً: مقام الرضا عن الله

يتحقق الرضا عن الله بأن تقنع تمام القناعة بحكمته في تدبير شؤونك، وأن تشكر له النعمة مهما دقت، وأن تعظمه في كل منّة وعطاء، وأن توحده فلا تشرك به شيئاً.
وأعظم مراقي هذا الرضا هو أن ترضى عن أحكامه وأقداره، فلا تعترض بكلمة "لِمَ؟" (لماذا فعلت؟) ولا بكلمة "بِمَ؟" (بأي ذنب ابتليتني؟).
بهذا التسليم المطلق لحكمة الخالق، تكون قد حققت الرضا الحقيقي عن الله.

ثانياً: مقام الرضا بالإسلام ديناً

كيف أكون راضياً بالإسلام؟ يتحقق ذلك بأن نعمل بشرع الله ظاهراً وباطناً، وأن نبتعد عن كل البدع والمحدثات التي تخالف أصول الدين وما كان عليه السلف الصالح.
الرضا بالإسلام هو الانصياع لأوامره واجتناب نواهيه بحب وطواعية.

ثالثاً: مقام الرضا بسيدنا رسول الله نبياً ورسولاً

إن الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي أن تقدمه إماماً وقائداً لك في كل شؤون حياتك، فيكون هو قدوتك في الصبر عند الشدائد، وقدوتك في الحمد عند النعماء، وقدوتك في الرحمة بالخلق، وقدوتك في البذل والعطاء.
أن تجعل من سيرته وحياته صلى الله عليه وسلم درسك الدائم ومدرستك التي تتخرج منها في كل يوم، لتكون بحق ممن ذاق طعم الإيمان.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي