Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

أنوار المحبة الإلهية ومقامات القرب: أسرار التزكية في مجالس الذاكرين

في هذا المقال التربوي، نستلهم من توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي أسرار المحبة الإلهية ومقامات السلوك، ونغوص في الفارق بين العبادة طمعاً في الجنة والتقرب شوقاً للمحبة. اكتشف كيف تعالج أمراض قلبك وترتقي في مدارج 'الإحسان' لتنال سر المعية ومباهاة الملائكة في مجالس الذكر، بأدلة الشريعة الغراء.

اعلم يا ولدي، وفقني الله وإياك لسلوك طريق أهل الصدق، أن مدار "علم السلوك والتزكية" في منهج التصوف السني المعتمد يرتكز على قاعدة ذهبية أرساها ساداتنا من الأئمة الأعلام؛ ألا وهي: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
فالتصوف ليس انسلاخاً عن التكاليف، بل هو إحياء لروح العبادات المفروضة، وانتقال بالنفس من ظلمات "النفس الأمارة بالسوء" إلى أنوار "النفس اللوامة"، وصولاً إلى سكينة "النفس المطمئنة"، وهو عين مقام "الإحسان" الذي نطق به الوحي المبين.

ومن هذا المعين الصافي، نستلهم إشارات تربوية دقيقة من توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي، حيث يضع أيدينا على الداء والدواء في رحلة السير إلى الله تعالى.

بين مقام المتعبد ومقام المتقرب
يُشير فضيلته إلى لمحة بلاغية وروحية عميقة في الحديث القدسي الجليل، حيث يلفت انتباهنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى لم يقل: "ولا يزال عبدي يتعبد إلي بالنوافل"، بل قال: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»⁽¹⁾.
وهنا يكمن سر التزكية يا ولدي؛ فالذي يطلب الجنة يتعبد طمعاً في نعيمها، أما الذي يطلب القرب فهو "المحب" الذي تعلقت همته برب الجنة.
ولأن حال هذا العبد هو طلب القرب الخالص، لم يوجب الله له الجنة فحسب، بل أوجب له ما هو أعظم؛ أوجب له "المحبة".

وهذا يرد على المتنطعين الذين يظنون أن أهل السلوك يهملون العبادات الظاهرة، بل العكس هو الصحيح.
فالسالك يتقرب بالنوافل بعد إحكام الفرائض، متخذاً من العبادة مطية للوصول إلى رضا المعبود، مجاهداً أمراض قلبه من عُجب ورياء وحب للظهور، ليُخلص النية لله رب العالمين.

ثمرات المحبة الإلهية وعلاج أمراض القلوب
يا ولدي، إذا صدق العبد في تقربه، وتجرد من حظوظ نفسه، تنجلي عليه شواهد المحبة الإلهية.
فإذا أحبه الله، فُتحت له أبواب العناية والمكاشفة؛ فيصبح الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به.وما معنى هذا في ميزان التزكية؟ معناه أن الله يحول بين قلب هذا العبد وبين "الأغيار"، فلا يسمع إلا على مراد الله، ولا يعي إلا عن نور الله، ولا يفهم إلا عن إدراك معاني التوحيد الكبرى.

هذا العبد الذي تولاه الله، يُعرض عن اللغو، والنميمة، وغفلات القلوب، منطوياً في وصف العبودية الحقة.
فماذا يكون عطاء الله له؟ إنه يمنحه سمعاً مستمداً من أسرار اسمه "السميع"، فيكون مستجاب الدعوة: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»⁽¹⁾.
وهذا هو العلاج العملي للغفلة والكبر؛ أن يرى العبد حوله وقوته مضمحلين في حول الله وقوته.

حقيقة الموت في عين الولي
ومن أسرار السلوك التي بينها فضيلة الدكتور جابر، أن شواهد المحبة تصل بالعبد إلى مقام "الرضا" التام والتعلق باللقاء.
فلولا أن الموت هو الباب الوحيد للقاء الله بعد الحياة الدنيا، ولولا أن الجنة هي دار المكاشفة والمشاهدة، لكان للموت شأن آخر.
فالله جل جلاله، في سابق علمه ورحمته، لا يقبض روح ولي من أوليائه أبداً وهو يكره الموت، بل يزيده شوقاً للقائه، إكراماً لمن أحسنوا إلى هذا الدين، وقاموا بحق الشرع الشريف.

الصحبة الصالحة ومجالس الذكر
يا ولدي، إن السير إلى الله لا يستقيم إلا بصحبة ترتقي بالهمم.
وقد ساق فضيلة الشيخ مثالاً بليغاً من سيرة العارفين، حين سُئل سيدي الإمام أبو الحسن الشاذلي ⁽²⁾ (المتوفى سنة 656 هـ، قطب زمانه وإمام الطريقة الشاذلية): هل كتبت لنا كتاباً؟ فأجاب بلسان التربية الحية: "كتبي أصحابي".
فهو لم يترك كتباً مسطورة، بل ترك رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، دلالة على أن التصوف انتقال للأحوال والمقامات عبر الصحبة والمجاهدة، لا مجرد حفظ للسطور.

ولنا في مجالس الذكر أسوة حسنة، رداً على كل من يرمي الاجتماع على الذكر بالبدعة.
فإن ما نراه في مجالس الصالحين من ترديد لذكر الله ومدارسة للعلم، هو امتداد لمشهد نبوي مهيب.
فقد خرج النبي على حلقة من أصحابه، فسألهم: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا.
فقال: «آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك.
قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة»⁽³⁾.

فيا ولدي، هذا المشهد ينطق بصوارخ المحبة، ويؤكد أن أمة الإسلام لا يزال فيها الخير.
مجالس الذاكرين، وطلاب العلم، وقراء القرآن، هي المجالس التي تتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويباهي الله بها الملائكة.
فالزم غرز القوم، وتمسك بظاهر الشرع ينفتح لك باطن الحقيقة، والله يتولى هداك.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 4