Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه القلوب والأدب مع المشرِّع: الأبعاد التشريعية في سورة الضحى | الدكتور جابر بغدادي

مقال فقهي تأصيلي يستخرج فيه الدكتور جابر بغدادي أحكام "فقه القلوب" وأدب السلوك مع الجناب النبوي من سورة الضحى، مقرراً حجية السنة النبوية ومحكماً ضوابط التكافل الظاهر والباطن، مع وضع التدابير الاحترازية لحماية الشريعة من شطحات الإباحية.

فقه أحوال القلوب: التكييف الشرعي لـ "ضلال المحبة"
أعرني سمعك وقلبك يا ولدي، لنغوص معاً في بحار "الفقه الأكبر" وفقه أحوال القلوب في الشريعة الغراء؛ فكثيرٌ من الناس يظنون جَهلاً أن الفقه محصورٌ فقط في حركات الجوارح الظاهرة من ركوعٍ وسجودٍ ومعاملاتٍ مالية، ويغفلون عن أصل الأصول الذي تُبنى عليه صحة الأعمال: "فقه المحبة والتعلق بالله وبمشرِّع الأمة ﷺ".
تأمل معي يا ولدي في كتاب الله، كيف كيّف فقهاء الشريعة وأئمة البيان حال نبي الله سيدنا يعقوب عليه السلام، لما استغرق في حب ولده يوسف، وغاب عن رؤية ما سواه في الوجود؛ حتى قال له عذّاله من قومه: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾⁽¹⁾.
فهذا "الضلال" المنسوب إليه هنا في ميزان الفقه ليس ضلال انحرافٍ عن أحكام الدين، بل هو كما قرره أئمة الفقه والتفسير كالإمام القرطبي (ت: 671 هـ) (شمس أئمة التفسير والفقيه المالكي الحجة)⁽²⁾، "ضلال العشق والتولّه"؛ أي غلبة المحبة واستيلاء المحبوب على آلة الإدراك.
ومن هذا التأصيل الفقهي البديع، نلج يا ولدي إلى فهم الحكم التشريعي في قوله تعالى مخاطباً نبيه في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾⁽³⁾.
فالمعنى الفقهي هنا: وجدك متولهاً، شديد الحب لله، منقطعاً بكليتك إلى ذات الله؛ أي ممارساً لـ "فقه التبتل والانقطاع"، قد تركت الكُلَّ حكماً وواقعاً لأجل الله، فلم تعد تطلبُ، ولا تعشقُ، ولا تهوى في الدارين غير الله؛ فهداك الله جل جلاله إلى أقصى غايات الوصول والشهود.
فقه الإيواء والتكافل: سر التعدية الشرعية في "الباء المحمدية"
وإذا انتقلنا يا ولدي من فقه الباطن إلى فقه المعاملات والتكافل الاجتماعي، تبرز لنا في سورة الضحى ثلاثيةٌ تشريعيةٌ محكمة الأركان: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾⁴⁾.
وتكتمل الحكمة الفقهية في هذه الأفعال المتعدية، إذا أضفتَ إليها حرف الجر وضمير المخاطب "بِكَ"؛ فيصير النظم التشريعي: "آواه بك، وأغنى بك، وهداه بك".
فالحكم الفقهي المستنبط هنا يا ولدي ليس مجرد "ندبٍ أخلاقي" إلى التصدق على اليتيم والفقير، بل هو تأسيسٌ لـ "فقه النيابة المحمدية في الإكرام"؛ فالله جل جلاله قد آوى اليتيمَ بك، وأغنى العائلَ بك، وهدى الضالَّ بك! بل إن الشارع الحكيم قد جعل "اليُتم النبوي" عِلَّةً تشريعيةً لإكرام جميع الأيتام في الغابر والحاضر، وكأنه يقول لحبيبه: "لأنك مَرَرْتَ بحكم اليتم يا محمد، فقد جعلنا كفالة اليتيم من بعدك أرفعَ أبواب التقرب إلينا، فآوينا الأيتام جميعاً إكراماً ليتْمِك".
فالمسلم حين يكفل يتيماً، فإنه في الحقيقة يمارس حكماً فقهياً يتصل مباشرةً بوراثة الحضرة المحمدية في الإيواء.
فقه الاتباع المطلق: عصمة الذات النبوية أصلٌ لحجية السنة
ومن هذا التشريف، نصل يا ولدي إلى أصلٍ فقهيٍّ عظيم تبنى عليه جميع أحكام الشريعة، ألا وهو: "حجية السنة النبوية المطلقة، وعصمة المشرِّع ﷺ".
فلكي يقطع القرآن الطريق على كل متطاولٍ يزعم أن النبي قد ينطق عن هوىً أو اجتهادٍ بشريٍّ يخطئ ويصيب، أنزل الله حكماً قاطعاً في سورة النجم: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾⁽⁵⁾.
فما المذكور هنا المنفيُّ عنه نفياً باتاً؟ إنه ضلال التعامي عن الحق؛ وهذا يثبت بالدليل الفقهي الاستقرائي الذي شيّده الأئمة كالإمام القاضي عياض (ت: 544 هـ) (إمام المغرب وتاج المحدثين والفقهاء)⁽⁶⁾، أن العقل المحمدي والقلب المحمدي معصومانِ عصمةً ذاتيةً؛ فلم تسبق أنوارَهما ظلمةٌ قط، ولم يسبق علمَه اللدنيَّ جهالةٌ أبداً.
وعليه يا ولدي، فكل ما يصدر عن سيدنا رسول الله من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو إيماءةٍ، هو "شرعٌ متبَع وحجةٌ ملزمة"؛ لأنه كان معصوماً في البعثة وقبل البعثة، بل ومنذ أن قال الله تعالى للعلياء في عالم الغيب أن تتجسد فقال لها: "كُوني"، فكانت محمداً ⁽⁷⁾؛ فلم يَمُرَّ على أفقه التشريعي والروحي ضلالٌ إطلاقاً.
فقه الترتيب والمنازل: موازنة تشريعية بين سورتي "الضحى" و"الليل"
ولكي تدرك يا ولدي دقة الموازين الفقهية في القرآن، انظر إلى "فقه الترتيب والمنازل"؛ فالقرآن يضع كل مخلوقٍ في مقامه التشريعي الأليق به.فعندما أقسم الله تعالى لحبيبه المصطفى في مطلع سورة الضحى، قال: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾⁽⁸⁾؛ فَقَدَّمَ "الضحى" (النور الساطع) أولاً، ثم ذكر بعده "الليل" (الظلام) الذي طرأ فأزاحه هذا النور.
بينما إذا ذهبتَ تتأمل كيف تكلّم القرآن عن الصدّيق، سيدنا أبو بكر الصديق (ت: 13 هـ) (الخليفة الراشد الأول وأفضل الأمة بعد نبيها)⁽⁹⁾، في سورة الليل، تجده يقول: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾⁽¹⁰⁾؛ فَقَدَّمَ الليلَ هنا على النهار! ولماذا يا ولدي؟ يخبرنا الفقهاء العارفون كالإمام ابن عجيبة الحسني (ت: 1224 هـ) (العالم الرباني والفقيه المالكي والمفسر الصوفي)⁽¹¹⁾، أن السر الفقهي في ذلك: أن سيدنا أبا بكرٍ يمثل "فقه المكلَّف التائب" الذي سبقتْ إسلامَه أنوارُ هدايةٍ طرأت على ظلمة الجاهلية؛ أما سيدنا رسول الله فهو "أصل التشريع ومعدن النور" الذي لم تسبقه ظلمةٌ قط.
فقه الميثاق الأول: شهود التوحيد قبل "رسوم التكليف"
وعليه يا ولدي، تترتب المراتب الفقهية لأسمائه الشريفة التي حررها المحققون كالإمام القسطلاني (ت: 923 هـ) (إمام المحدثين والفقهاء وصاحب المواهب اللدنية)⁽¹²⁾؛ فقد كان الحبيب في الأزل "أحمدَ"، وعند الميلاد في عالم التكليف الظاهر صار "محمداً"، وبعد التبليغ والإرشاد صار في الآخرة "محموداً".
فهو "أحمدُ الأزل"، المجتبى من قبل أن تكون هناك عبادةٌ مفروضة، ومن قبل أن تُوجد "عِلَّةُ عملٍ"؛ فقبل أن تُخلق المعارف، وتُسطَّر الكتب، وتُقنَّن الرسوم والرقوم التشريعية؛ كان النبي أولَ من قام لله في حضرة الميثاق شاهداً بالتوحيد المطلق، ممارساً لـ "فقه الشهود" الذي سبَق فقه الجوارح، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾⁽¹³⁾.
تدبير احترازي فقهي: صيانة الأحكام الظاهرة عن شطحات الباطن
وهنا يا ولدي، ومحافظةً على "أمانة التبليغ الفقهي"، لابد لنا من إقامة حدود الشريعة الصارمة، وتفعيل "التدابير الاحترازية"؛ كي لا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، وكي لا يختلط الفقه الصوفي النقي بشطحات الجَهلة وأدعياء الحقيقة!
إياك ثم إياك يا ولدي أن تفهم من حديثنا عن "فقه المحبة" أو "السبق النوري" للنبي ، أن استغراق العبد في محبة الله ورسوله يُسقط عنه قيداً واحداً من التكاليف الشرعية الظاهرة! أو أن تقول كما يقول بعض الزنادقة والإباحية: "إذا حَصَلَتْ للقلب الهدايةُ والمحبة، فلا حاجة للجسد بالصلاة والصيام"! فهذا كفرٌ صُراحٌ وانسلاخٌ من ربقة الإسلام.
إن سيدنا رسول الله ، وهو "أحمدُ الأزل" وأكملُ الخلق شهوداً ومحبةً، كان أشدَّ الأمة تطبيقاً لـ "فقه الجوارح"؛ فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان، ويصوم حتى يُقال لا يفطر، ويجاهد، ويقضي بين الخصوم بالبينة واليمين! فكمال الباطن في الشريعة لا يُعفي من انضباط الظاهر، بل يزيده رسوخاً؛ فمن ادعى محبة الجناب النبوي وهو مضيِّعٌ لفرائض الفقه وأحكام الحلال والحرام، فهو كذابٌ أشر، خصيمُه في ذلك شريعةُ محمد .
التساؤل الفاصل: كيف نفهم تعدية الهداية بالضال؟
ونختم يا ولدي بهذا التساؤل الفقهي البليغ الذي يطرحه سياق الآية: إذا كان الله قد قال له ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، فكيف نُخرّج هذا الفعل المتعدي في ميزان فقه الهداية؟
الجواب التشريعي الدقيق: أن تقدير الكلام هو: "ووجدك الضالُّ فاهتدى بِكَ".
فالضالُّ هنا ليس المتبوع ، بل هو "التابع المكلَّف الحائر في ظلمات الجهل"؛ فلما أقام اللهُ الحجةَ وأرسلَ الشريعةَ المحمدية، اهتدى هذا الضالُّ بـه! فالله جل جلاله هو "الهادي" خلقاً وإيجاداً، وسيدنا محمد هو "المشرِّع المبلِّغ والسبب الموصل"؛ فلا تعارض في فقهنا السني الأصيل بين إثبات الفاعلية المطلقة للمسبب سبحانه، وبين وجوب التمسك بالأسباب الشرعية التي أقامها الله لعباده كي يهتدوا بها.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي