بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أدب الوداد الإلهي: المحب لا يحوج حبيبه إلى الاعتذار | الدكتور جابر بغدادي
أدب الوداد الإلهي: المحب لا يحوج حبيبه إلى الاعتذار | الدكتور جابر بغدادي
سِتْرُ المَحبَّةِ ومَدرسةُ الودادِ
إنَّ المحبَّ الصادقَ يا ولدي، لا يُلجِئُ حبيبَهُ إلى مَذلَّةِ الاعتذارِ، ولا يتركهُ أسيرَ الانكسارِ.
فتعالوا بنا نَحيا بالحبِّ؛ فإنَّ الحبَّ سِترٌ يُسبَلُ على العيوبِ، ومُعلِّمٌ يَسلكُ بالقلوبِ أهدى الدروبِ.
سَبعونَ عُذْراً..ومِحرابُ التَّواضعِ
وقد سُئلَ الإمامُ حمدونُ القَصَّارُ (ت: ٢٧١ هـ) (إمامُ المَلامَتِيَّةِ)⁽¹⁾ يا ولدي: "كم مرَّةً أُسامحُ أخي إنْ أساءَ في حقِّي؟" فأجابهُ منْ مِشكاةِ اليَقينِ: "التمسْ لأخيكَ سبعينَ عُذراً"، فَعادَ السائلُ يستفهمُ بحَيرتِهِ: "فإنْ لم أجدْ لهُ عُذراً؟" فقالَ لهُ المُربِّي: "إذا أعددتَ لهُ سبعينَ عُذراً، ولم تقبلْ نفسُكَ منها واحداً؛ فَضَعْ لهُ خدَّكَ على التُّرابِ، وقُلْ لهُ: دُسْ يا أخي؛ لعلَّ اللهَ أنْ يُخرجَ غِلَّ ذلكَ من قلبِكَ"⁽¹⁾.
كَرمٌ يتجاوزُ المَنطقَ..وبَسْطُ اليَدِ للمُسيئينَ
واعلمْ يا ولدي أنَّ حقيقةَ الدِّينِ ليستْ مَقصورةً على ظواهرِ الرَّكعاتِ والسَّجداتِ فحسب؛ بل الدِّينُ في جوهرِهِ خُلُقٌ وتخلُّقٌ.
وتأمَّلْ معي قولَهُ ﷺ فيما رواهُ الإمامُ مُسْلِمٌ (ت: ٢٦١ هـ) (حُجَّةُ المُحَدِّثِينَ): «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا»⁽²⁾.
فما السرُّ المَكنونُ وراءَ هذا العطاءِ؟ إنَّهُ التخلُّقُ بصفاتِ الجَمالِ؛ فالأمرُ يتجاوزُ مجرَّدَ كونِها ساعةَ سَحَرٍ، أو لَحظةَ إجابةٍ تُرجى؛ بل هو إعلانٌ إلهيٌّ بأنَّ الكريمَ سبحانَهُ لا يُحوجُ مَنْ أحبَّهُ إلى مَشقَّةِ الاعتذارِ.
فبمقتضى المَنطقِ البشريِّ القاصرِ، كانَ الظاهرُ أنْ يَبسطَ يَدَهُ بالليلِ لِيُكرمَ مُحسنَ النهارِ؛ غيرَ أنَّ كمالَ الكَرمِ الإلهيِّ إنَّما يَتجلَّى في أبهى صُوَرِهِ حينَ يُكافِئُ الكريمُ مَنْ أساءَ بالإحسانِ، وينبسطُ وُدُّهُ سبحانَهُ حينَ يَمنحُ العطاءَ الذي لا يُستحَقُّ، لِمَنْ لا يَستحقُّ! وتلكَ هي ذُروةُ سَنامِ المَحبَّةِ؛ إذ تنجلي عواطفُ الودادِ الخالصِ حينَ لا يُحوجُ المَحبوبُ مَنْ أحبَّهُ إلى تَجرُّعِ مرارةِ الاعتذارِ.
لُطْفُ العِتابِ..وهَندسةُ الكَمالِ بالأكملِ
فانظرْ إلى الفَرقِ البَعيدِ يا ولدي؛ فإنَّ العبدَ منَ البشرِ إذا استعملَ عبداً مِثلَهُ في خِدمتِهِ، فإنَّما يُعطيهِ منْ عُمرِهِ المَحدودِ وأجرِهِ المَعدودِ، وأمَّا الحقُّ تباركَ وتعالى إذا استعملَ عبداً في طاعتِهِ، أسبغَ عليهِ منْ نُورِهِ، وأمدَّهُ بفيضِ مَدَدِهِ.
لتعودَ الحقيقةُ الكبرى ساطعةً في وِجدانِكَ: إنَّ كمالَ الحبِّ في أسمى معانيهِ، ألا يُحوجَ المحبوبُ مَنْ أحبَّهُ إلى التَّذلُّلِ بالاعتذارِ.
ولكي تَطْمَئِنَّ رُوحُكَ إلى هذا المَعنى، أَدِرْ بَصَرَكَ في رِحابِ قولِهِ تعالى لمصطفاهُ ﷺ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾⁽³⁾؛ فتأمَّلْ كيفَ قدَّمَ سبحانَهُ صَفْوَ العفوِ قبلَ حَرارةِ المُعاتبةِ، وهو ما يُسمِّيهِ الإمامُ القُشَيرِيُّ (ت: ٤٦٥ هـ) (أستاذُ الطَّريقَةِ) في طَريقِنا: "لُطْفَ العِتابِ، وأُنْسَ الخِطابِ"⁽⁴⁾.
وفي شَرعٍ إلهيٍّ مُنزَّهٍ لا يُجاملُ أحداً، كانَ لسانُ الحالِ يقولُ للحبيبِ ﷺ: "إنَّكَ وإنْ لم تُصِبْ عينَ المُرادِ الأكملِ في هذا المَوقفِ، فقدْ أصبتَ مَقامَ الكمالِ، ولا بُدَّ للأكملِ سُبحانَهُ أنْ يُهذِّبَ الكمالَ بما هو أكملُ منهُ"، فصدَّرَ خِطابَهُ بالنَّدى قبلَ المَلامِ، مُكرِّراً أصلَ الودادِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (تجليات الأسماء والصفات في أدب الوداد الإلهي: قراءة عقدية في كرم العفو | الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقهُ الإحسانِ وإسقاطِ الحُقوقِ: قِراءةٌ مَقاصِدِيَّةٌ في أدبِ المُسامَحَةِ | الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقاماتُ الوِدادِ وأسرارُ المَدَدِ: قِراءةٌ سُلوكيَّةٌ في أدبِ المَحبَّةِ وتَزكِيَةِ النَّفْسِ | الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق توثيق وتحقيق لدرس المحب لا يحوج حبيبه للاعتذار للشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (خَوفُ جَرْحِ المَشاعِرِ في المُعاتَبَةِ: كَيفَ أُقَوِّمُ مَنْ أُحِبُّ بِأَدَبِ 'لُطْفِ العِتابِ'؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (جَفافُ العِبادةِ واليَأْسُ بَعدَ الذَّنْبِ: كَيفَ أَتَذَوَّقُ سَعةَ الكَرَمِ الإلهيِّ؟)الأسئلة
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (قَسوَةُ القَلبِ والعَجزُ عَنْ التْماسِ الأَعذارِ: كَيفَ أُطهِّرُ صَدري مِنْ غِلِّ الخُصومَةِ؟)الأسئلة
