بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار التجلي باسمي الله "القهار" و"القاهر": رحلة روحانية من سطوة الجلال إلى فيوضات الجمال
أسرار التجلي باسمي الله "القهار" و"القاهر": رحلة روحانية من سطوة الجلال إلى فيوضات الجمال
قهر المتكبرين وتجلّي القدرة في أضعف المخلوقات
اعلم يا ولدي، أنَّ كلَّ من استعلى على خَلْقِ الله، وظنَّ في نفسه قيوماً أو ادعى لنفسه قهار او قاهر، فإنَّ قيومية القهر الإلهي سيتتكفل بتعليمه الأدب. تأمل في حال النمرود بن كنعان، حين وقف أمام أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، يجادل في ربه بصلفٍ وغرور مدعياً: "أنا أحيي وأميت". فما كان من قهر الله إلا أن سلّط عليه أضعف جنده؛ بعوضةً صغيره، ولجت من خيشومه لتستقر في أم رأسه، لترديه هالكاً ⁽¹⁾. فكأن لسان الحال القهري يقول له: إن كنت رجلاً تملك حقاً الإحياء والإماتة كما تدعي، فأمت هذه الذبابة التي تسكن أنفك! ولكن هيهات، فقد عجز، مما يدللك يا مريدي على كمال وجود قهره سبحانه وتعالى لمن طغى وتجبر.
تسخير الأكوان ودلائل القهر الإلهي في الكائنات
وإن حُجبتَ عن الله يوماً بما ليس بموجودٍ معه، فانظر إلى هذه الشمس الساطعة في كبد السماء، لكي تستلهم منها دلائل قهر الله وتسخيره، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ﴾ ⁽²⁾. وليس الأمر مقصوراً على ذلك، بل امتد العطاء ليغطي كل احتياجاتك: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ ⁽³⁾. انظر إلى تلك الدابة التي تركبها، لقد أُمِرت بقهر الله أن تحملك، فرأيتَ أنت الدابة ولم ترَ بعين بصيرتك من أعطاها الأمر كي تحملك! ولهذا تسافر بها المسافات الطويلة، وطوال الطريق قد تغفل عن ذكر الله، ولا تلهج بدعاء السفر قائلاً: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ⁽⁴⁾.
ومعنى "سَخَّر" هنا أي قَهَر. تأمل صنع الله في قاع عين الجمل؛ فقد جُعلت معكوسةً بحكمة بالغة، فهو يراك أكبر من حجمك الحقيقي بثلاثين أو أربعين ضعفاً. ولنا أن نتساءل: لِمَ خُلقت عينه هكذا؟ الجواب: ليقهره الله لك وينقاد لأمرك. فمن ذا الذي خلق له هذه العين التي تخدعه ليسهل قياده؟ إنه قهر الله للجمل! فهل يقدر واحدٌ من أفراد هذه المملكة الحيوانية أن يعصي الله فيك؟ كلا. ولكنك –ويا للعجب– تستعمل كل هذه المكنونات المسخرة لك، لتعصي بها خالقها!
أسرار اسمي الله "القهار" و"القاهر" والارتباط بالوحدانية
ولكي نفهم هذا القهر الرباني حق الفهم، لا بد أن نعرف معنى اسمه "القهار". (( القهار صيغة مبالغة، وهو النافذ أمره في خلقه، فلا منازع له في مُلكه، ولا راد لحكمه.)) يقهرهم بأمره النافذ، فإذا أراد شيئاً فلا راد لإرادته. أما اسم الله "القاهر"، فهو المتصرف في خلقه، المتعالي عليهم بكماله المطلق.
ولطيفةٌ قرآنية يا هنا؛ فقد ذُكر اسم الله "القهار" في القرآن الكريم ست مرات، وما ذُكر منفرداً قط! بل في كل المرات التي ذُكر فيها هذا الاسم الجليل، اقترن باسم الله "الواحد". ولنا أن نبحث في سر عدم ذكر "الواحد" منفرداً أو "القهار" منفرداً في هذه المواضع، لنجد أن الدليل واضح: من عرف اسم الله القهار، عرف يقيناً وحدانية الله.
تأمل موقف نبي الله يوسف عليه السلام في السجن، حين جاءه الفتيان يقصان عليه مناميهما. قبل أن يشرع في تأويل الرؤى، أرشدهما أولاً إلى وحدانية الله قائلاً: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ⁽⁵⁾. وهذا هو دأب الشيخ الحقيقي والمربي الرباني؛ فالشيخ الصادق لا يدل الناس بما آتاه الله من علم على كرامةٍ خُصَّ بها، ولا على مزيةٍ يفتخر بها، ولا على ولايةٍ يدعيها لنفسه، إنما تنصبُّ كلُّ دلالاته وتوجيهاته على إفراد الله بالوحدانية.
لذا يطرح سيدنا يوسف سؤالاً إيقاظياً: هل هذه الأرباب التي عُبدت من دون الله؛ فمنهم من يعبد شمساً، ومنهم من يعبد قمراً، وفي زماننا هذا من يعبد هواه ونفسه، ومن يعبد وظيفته ومركزه، ومن يعبد دابته وسيارته، بل ومن يعبد زوجته وولده بالتعلق الذي يحجبه عن الله.. هل كل هذه الأرباب المتفرقة والآلهة الزائفة أفضل، أم الله؟ هكذا يعلمنا أنه عندما يأتيك طالب علم، عَرِّفه بربه أولاً، قبل أن تتحدث معه عن تفريعات الاستقامات. هكذا تسامى يوسف عليه السلام بمعرفة اسم الله القهار، ودلل به على التوحيد. وتتجلى هذه الحقيقة العظمى أيضاً يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ⁽⁶⁾.
فيوضات القهر الإلهي في الحفظ والرعاية
أما اسم الله "القاهر" فقد ذُكر في القرآن الكريم مرتين فقط. المرة الأولى مقترناً بالحكمة والخبرة: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ⁽⁷⁾. والمرة الثانية مقترناً بإرسال الحفظة: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ ⁽⁸⁾.
قد ترى أُماً تبتلى بولدٍ عاقٍ جداً، وعاصٍ جداً، ومتعبٍ إلى أقصى حد، ومع ذلك لا تملك إلا أن تحبه وترأف به، هذا الحب الفطري ليس قهراً منها، بل هو انفعال عاطفي. أما قهر الله فهو قهر كمال وحفظ، فهو الذي يرسل عليك حفظةً يحرسونك. فمن ذا الذي يحرسك وأنت غارق في نومك العميق؟ هذا يدلل على سر قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾. هل يستطيع شيطانٌ يبغضك، أن يقترب منك في ظلمة الليل وأنت نائم، ليعبث بك أو يعكس مسار دورتك الدموية؟ أبداً، لا يقدر. هل يستطيع ساحر أن يوقف نبض قلبك بمكره؟ لا، لا يقدر.
لأجل هذا السر العظيم، كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بضعته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها هذا الدرس النبوي، فيقول لها: «يا فاطمة إذا أصبحتِ فقولي: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» ⁽⁹⁾.
عواقب الغرور ومشاهد القهر في هلاك الطغاة
ولما طغى فرعون، وذهب إليه سيدنا موسى يكلمه ويدعوه، استكبر فرعون وتفاخر بملكه قائلاً: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ ⁽¹⁰⁾. فأراد الله أن يغرقه، وأين أغرقه؟ في ذات البحر الذي أشار إليه بغرور متفاخراً بأنه يجري من تحته! وكأن الحكمة الإلهية تقول له: أردت أن تدعي أن هذه الأنهار تجري بقهر مُلكك وسلطانك؟ إذن ستغرق فيها، فلو كان لك القهر حقاً في ذلك الملك، فقُل لها أن لا تغرقك!
ونعود للنمرود بن كنعان الذي وقف يجادل سيدنا إبراهيم الخليل قائلاً: "أنا أحيي وأميت". فمن سفه عقله وحمقه، أتى برجلين، فقتل أحدهما وقال: هذا قد أمتّه، وترك الآخر يعيش وقال: هذا قد أحييته! لم يفهم هذا الجاهل المخذول أن ما فعله هو مجرد "قهر مُلك" استبدادي، وليس "قهر تصريف" كوني. فكأنه يقول: أنا أقهر فيما أملكه من رقاب تحت سلطتي. فقال له سيدنا إبراهيم بلسان البراهين الساطعة: إن كنت شجاعاً وذا قدرة، فاقهر فيما لا تملك! ونقله ببراعة إلى عالم ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، فقال له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ ⁽¹¹⁾. فَبُهِت، فماذا فعل الله به ليعلمه أن القهر صنعة إلهية خالصة وصفة ربانية لا يجوز لأحد أن ينازعه فيها؟ سلط عليه تلك البعوضة التي دخلت من خيشومه، فأسلمته للردى، فلم يكن يهدأ له بال إلا إذا ضُرب بالنعال على أم رأسه، عقاباً له على إنكاره لقدرة الله في التصريف.
تجليات التوحيد وانقلاب الجلال إلى جمال
ويا لروعة المعاني حين تشرق شمس التوحيد في قلب العبد المؤمن؛ فإذا أشرق نور التوحيد في الفؤاد، تحولت أسماء الجلال في عينه ووجدانه إلى كمال، وتحول هذا الكمال بحسن العبودية إلى دلال ومحبة، ثم يزداد هذا الدلال صفاءً وقرباً. وهذا ما يجده العبد الصادق حين يدخل في صلاته مناجياً ربه قائلاً بلسان الافتقار: «والله لولا الله ما اهتدينا» ⁽¹²⁾.
هنا يتحول الاسم الجليل إلى جمالٍ يفيض بالمنن. يقول سيدنا الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه معبراً عن هذا المقام: "اللهم إن أذكارنا ما هي إلا عوائد كرامة أجريتها على ألسنتنا لنعبدك بها على أقدارنا وليس على قدرك" ⁽¹³⁾.
قهر الصالحين على الطاعة والحب
لقد قهرنا الله بلطيف إحسانه على طاعته وحسن عبادته، ولهذا قال العارفون إن من أسرار اسم الله القهار: أنه هو الذي استعمل عباده الصالحين بالصلاح. الله جل جلاله هو القهار الذي استعمل العيون للبكاء من خشيته وشوقه، ولو لم يقهرها على هذا الحب والبكاء الصافي، لاستعملها صاحبها في معاصي الله. القهار هو الذي استعمل ذواكرنا وعقولنا لطلب العلم والتبصر في آياته.
فالولي العارف، حينما يستشرف بقلبه معاني اسم الله القهار، يراه بعينين: يرى بجلاله كيف قهر الطغاة والمتكبرين، ويرى بجماله كيف تولى الولاة والصالحين. أولى قلوبهم خشوعاً، وأولى عيونهم دموعاً، وأولى أرواحهم حضوراً، وأولى أسرارهم توحيداً، وأولاهم قرباً مجيداً.. فقربهم، وأدناهم، وآنسهم، وحدّثهم في سرائرهم، وعلّمهم من لدنه علماً. ولو أنه سبحانه تركهم لأنفسهم الأمارة طرفة عين، ما كانوا أبداً من الأولياء! فتأمل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ⁽¹⁴⁾. فكيف يحول بين المرء وقلبه؟ إن بين العبد وبين قلبه مرادات وتجليات إلهية، لو أن الله رفع يد الحفظ والعناية من الأمر، لتحول قلبك عليك وأهلكك، ولكن الله بلطفه قهرك على الهداية ودلك عليه.
حلم الله وكمالات رحمته بخلقه
فالقهار هو الذي سخر لك المملكة بأسرها من أجلك. ولكن، لما اتصف الإنسان بوصف العصيان والجحود، غارت المخلوقات لربها وغضبت لانتهاك محارمه؛ فصاحت البحار مناجية: يا رب، مُرني أن أبتلع ابن آدم، فقد أكل خيرك وعبد غيرك! وتضرعت السماء قائلة: يا رب، مُرني أن أطبق على ابن آدم، فقد أكل خيرك وعبد غيرك! وناجت الأرض بارئها: يا رب، مُرني أن أنشق وأبتلع ابن آدم، فقد أكل خيرك وعبد غيرك! فماذا يكون الرد من رب الرحمة الواسعة والحلم العميم؟ يتجلى بحلمه وجماله على خلقه قائلاً للمخلوقات الغاضبة: «ذروهم، لو خلقتموهم لرحمتموهم» ⁽¹⁵⁾.
