بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار اللطف الإلهي في التوبة وعصمة المحبة
أسرار اللطف الإلهي في التوبة وعصمة المحبة
أسرار اللطف الإلهي في التوبة وعصمة المحبة
ما حقيقة اسم الله "التواب"؟ إنه الجليل الذي يستر وصفك الناقص بوصفه الكامل، ويدرك ضعفك البشري بلطفه الرباني. ولتعلم يا ولدي أن المغفرة هي محو أثر الجناية، أما التوبة فهي محو الإصرار من القلب. تجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾⁽¹⁾.
تأمل قوله ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾؛ فالله جل جلاله ينوب عن العبد في التوبة، فيستنقذ القلب من حلاوة ما جناه من العصيان، ويستبدل تلك الحلاوة الزائفة بذوق الكراهية لها، ويضع فيه طعم النفور مما يضاد طاعته. حتى إن العبد لينام مصراً على ذنبه، مقيداً بهواه، فيقوم من نومه وقد أفاق بتوبة نصوح. فما الذي أحدث في قلبه هذا الانقلاب العجيب؟ لقد أخذ الكريم بيده، وتداركه بفضله. ينام العبد مصراً على ذنوبه، وفي جوف الليل يمر عليه طائف من ربه باللطف فيعفيه ويطهره.
ومن هنا يا ولدي، إياك ومزالق الاغترار؛ فحين تتوب من زلة، ثم تجلس مجلس المتعالي، تنظر إلى العاصي الذي يرتكب ما كنت تقترفه بالأمس، وتقول في نفسك باستكبار: "أنا تبت وهذا عاصٍ"، فاعلم أن هذا الكبر سيردك حتماً إلى مستنقع الذنب الذي كنت فيه. ولماذا؟ لأن التوبة في حقيقتها ما هي إلا عطفة إلهية محضة نزلت بك، فخلع عليك خلعة ستره، وأكرمك بفضله، وآواك في كنفه. مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾⁽²⁾. فلتستيقن أن هذا الترك للذنب ليس من محض إرادتك وقوتك الذاتية، فلا تدعِ البطولة في التوبة، بل هو تكرم من الله، وفضل، ونعمة أسبغها عليك.
فالواجب عليك حين يستنقذك مولاك أن تلزم الأدب، فتمسك بمسبحتك، وتكثر من التسبيح قائلاً: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ".. سبحان الله وبحمده أنه سترها. و سبحان الله العظيم اى فإن لم تتأدب بهذا الأدب، ولم تشهد فضل المنعم، سُلبت النعمة ورُددت إلى حالك الأول. فلو أدرك قلبك هذا المعنى الجليل، لاستحييت أن تغلق على نفسك باباً لتعصي الله فيه، ولمنعك ذوق الحياء من مقارفة الذنب.
واعلموا يا سادة أن "الحب" هو أقوى مظهر من مظاهر التقوى، وأعظم باعث على الخشية. الحب هو الحصن الأكبر وعصمة القلب من المعاصي. فلو تمكن حب الله من قلب عبد، فو الله لا تطاوعه نفسه على عصيان ربه، لا في خلوة مستترة ولا في جلوة مشهودة. إن الحب إذا ملك النفوس أعزها وطهرها، والعاشقون لربهم هم أصدق العباد خدمة له، كما قيل فيهم: "قومٌ إذا جَنَّ الظلامُ عليهمُ.. قاموا هنالك سُجَّداً وقياماً"⁽³⁾.
ولنتأمل سراً عظيماً؛ فالوصف الوحيد الذي يتفرد به الخالق ولا يصح لبني آدم أن يتصفوا به على الحقيقة هو كونه "التواب". فلو أنني عرفت عنك زلة أو خطيئة، فإن طبيعتي البشرية القاصرة قد تعجز عن غفرانها لك بالكلية، ولن تُمحى من ذهني جريرتك مهما طال الزمان. ومهما تحليت بالفضائل والمكارم بعد ذلك، سيظل هاجس في نفسي يقول: "أليس هذا من كان يفعل كذا وكذا؟". فالبشر لا يملكون قدرة التسامح المطلق والمحو التام. فمن ذا الذي يملك زمام هذه المغفرة والمحو الشامل؟ إنه الله جل جلاله وحده. ولذلك، ينادي العصاة والمذنبين بغاية الحنان واللطف قائلاً: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾⁽⁴⁾.
انظر يا ولدي إلى عجيب الملاطفة الإلهية واللطف الرباني حينما يدرك العاصي المجرم، فيلبسه رداء العبودية الشريف. تأتي إليه مثقلاً بالخطايا، لم تترك جريمة ولا مصيبة إلا وسلكت طريقها، فيقابلك بهذا التشريف والنسبة إليه: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾. وهنا سر لطيف؛ فلو أن الحق سبحانه ناداهم مباشرة بجمال لطفه وجلال هيبته، لتهتكت أوصالهم وتمزقت قلوبهم إما شوقاً أو خجلاً وصعقاً. لكنه، ومن كمال لطفه بتركيبهم البشري الضعيف، جعل الحبيب المصطفى ﷺ واسطة الرحمة ليبلغهم، فقال له: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. تلطفاً بالعبد في موطن الزلل وهو قادم منكسر خجلان. فماذا يفعل به ربه قبل أن يعاتبه؟ يستره بوصفه، ويدركه بعطفه. وقد تجلى ذلك في ختام النداء: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، أي لا تيأسوا، فباب الأمل مفتوح والرحمة واسعة.
وتأكيداً على هذا التفرد المطلق، قال تعالى في الآية السابقة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾. بدأ باسم الذات "وهو"، ليعلم الناس قاطبة أن أحداً في الوجود لا يقدر على هذا الستر والقبول إلا هو سبحانه وتعالى. وعاد ليؤكد المعنى الذي بدأنا به: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ وليس من عباده. فكيف نجمع بين سعينا وفضل الله؟ الأمر كما بُين، هو محض فضل يكلل مسعى العبد المنكسر.
ولتأصيل هذا المقام، نستلهم ما قاله العارف بالله، سيدي الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم العطائية)⁽⁵⁾ في حكمه الخالدة حيث يقول: "استشرافك أن تصل إليه بعد توبتك من ذنبك وتطهرك من عيبك دليل على أنك لن تصل إليه أبداً؛ لأنه لو أرادك ستر وصفك بوصفه وأدرك ضعفك بلطفه، فالوصول إليه من حيث هو، لا من حيث أنت".
وعلى هذا الدرب ذاته، كان يدعو سيدي الإمام أبو الحسن الشاذلي (المتوفى سنة 656 هـ، مؤسس الطريقة الشاذلية وإمام المحققين)⁽⁶⁾ قائلاً: "اللهم تب علينا توبةً تمحو بها من قلوبنا ما أذقنانا من حلاوة المعاصي، واستبدلها بالكراهية لها، والطعم لما هو بضدها، وأفض علينا بكرم الله". فبهذا الدعاء يطلب العبد من ربه أن يستنقذ من قلبه حلاوة ما جناه من أثر المعصية، ويبدلها له بذوق يستقذر به طعم الذنب، فتصفو بصيرته، ويرى الأشياء كلها على مراد الله فيها.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة التوبة واللطف الإلهي: رؤية عقدية في أسرار الفضل والمحبة)العقيدة
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (تعلم كيف تحول الخسائر إلى نجاحات(من اسرار إسم الله التواب )كفايه يأس واحباط)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (أعيش صراعاً مريراً مع ذنب خفي وعادة سيئة أرهقت روحي. أبكي ليلاً، وأعاهد الله بصدق ألا أعود، وأستجمع كل قواي وإرادتي للترك، لكنني سرعان ما أضعف في اليوم التالي. أشعر بـ "حلاوة الذنب" تتغلب على مرارة الندم في قلبي، وأسأل نفسي بيأس: لماذا أفشل دائماً في التوبة رغم صدق نيتي؟ وكيف أتخلص من هذا التعلق القلبي بالمعصية بعد أن سُلبت إرادتي تماماً؟)الأسئلة
