بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مجالس النور: حقيقة التصوف والصدق مع الله
مجالس النور: حقيقة التصوف والصدق مع الله
في كتاب الله المبين، تبرز لنا أربع عشرة آية قرآنية تُختتم بوعد إلهي عظيم ⁽¹⁾: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. إننا أمام هذا المدد القرآني في أمسّ الحاجة إلى أربعة عشر مجلساً علمياً لنغوص في بحار السر المصون، ونستجلي أسرار هذا الوعد الرباني؛ ليكون ذلك، بمشيئة الله، مدارسة لنا في قادم الأيام. لقد استلهمنا من هذه الآيات البينات نصيباً، حيث تتجلى ست منها في سورة البقرة، وتتوزع الباقيات في سورة يونس وغيرها من السور الكريمة؛ وكان ذلك محور حديثنا في اللقاء المنصرم. أما مجلسنا اليوم، يا ولدي، فسينعطف بنا من رحاب القرآن الكريم الذي عرفنا التصوف من خلاله، إلى روضة السنة النبوية المطهرة؛ لنرتشف من معين حديث نبوي شريف، حديث يسير في مبناه، عظيم في معناه. وعلى الرغم من أن ظاهره لا ينطق بلفظ التصوف، إنما سيفيض علينا بمعانٍ جليلة ندرك بها حقيقة الطريق الصوفي، ونعي ما يعنيه أن تولي وجهك شطر شيخك، وما تبتغيه من هذه الوجهة منذ خطوتك الأولى.
وإن سأل سائل: ما هو التصوف؟ أهو محض أفعال عجائبية كأن يُخرج المرء منديلاً أخضر أو أحمر من جيبه؟ إن كنت تظن، يا ولدي، أن القصد من إتيانك الشيخ هو رؤية هذه الألاعيب، فاعلم أن من تقصده حينها ليس بشيخ مرشد، إنما هو حاوٍ ومشعوذ. وللأسف، هناك من تلتبس عليه الأمور فيظن الشيخ ساحراً أو حاوياً. كلا يا ولدي؛ إن التصوف إرث نبوي شريف، إرث يتنزل على القلوب الصادقة. إن مهمة الشيخ، تتلخص في كلمتين ورثهما عن حضرة سيدنا رسول الله ﷺ: يطويك في مسالك السير، وفي حضرة القرب يأويك. وقد سُئل أحد العارفين: من شيخك؟ فأجاب بلسان الذوق ⁽²⁾: ""الذي إذا رأيته زالت حُجبي، وتجلى النور على عرش قلبي"". هكذا هو الأمر باختصار وجلاء؛ الشيخ الحق هو من إذا وقع بصرك عليه، نطق قلبك باسم الله الأعظم، وترجم لسان حالك معاني الصدق، فتتساقط عنك حُجب الغفلة. فهو بنظرته يُسري النور فيك، وبعبارته يُدريك، وبهمته يُداريك، وبإشارته يُواليك، وعن الكونين يُواريك، حتى إذا شد الوثاق وحان وقت الفراق، أخذ بيدك وقال: هاك أنت، وهاك ربك. ولأجل هذا المعنى الدقيق سُمي شيخاً دالاً على الله. أبعد هذا تظن أن الشيخ هو من يأتي بخوارق لا طائل منها، أو يضع يده على موضع ألمك ليرتاح جنبك؟ يا بني، إن الطبيب يفعل ذلك، وهذا ليس من شأن الشيخ المربي في شيء. إن الشيخ المربي هو من إذا رأيته امتلأت روحك بالصفاء، ووجدت في نفسك توقاً لتشدو وتترنم بأعذب الألحان، هاتفاً من أعماقك ⁽³⁾: ""يا قلب غنِّ أنت في حضرة الصفا .. يا قلب غنِّ لاح نور المصطفى انظر وقد لاح الجمال متمماً .. في حُلة النور البديع مشرفا يا قلب غنِّ واستلم قدس حضرةٍ .. وعلى جلال الوجد كُن لي منصفا""
دعونا نعود إلى حديثنا النبوي الشريف، حيث يروي أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري -أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المتوفى سنة 256 هـ-، وصنوه من كبار أئمة ومصنفي علم الحديث الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري -المتوفى سنة 261 هـ- في صحيحيهما ⁽⁴⁾، والحديث متفق عليه، من رواية فقيه الأمة وحليف القرآن سيدنا عبد الله بن مسعود -المتوفى سنة 32 هـ- رضي الله عنه أنه قال: «سَمِعْتُ...»، الله الله على كلمة «سَمِعْتُ». إنك يا ولدي متى طرق سمعك هذا اللفظ في الحديث، وجب عليك أن تَصِل أُذنك وروحك بالراوي مباشرة. سأقرأ على مسامعكم الحديث كاملاً أولاً، ثم نغوص في بحاره قطرة قطرة، لنستخرج زبدة معانيه ونستنشق عبير روحانياته. يقول سيدنا ابن مسعود: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ...». يا لروعة المشهد! ابن مسعود يسمع من نبع النبوة الصافي، وما أدراك ما بركة هذا السماع!
إن السر كله، يا ولدي، لا يكمن في مجرد حفظ العبارات والألفاظ، بل السر الأعظم يكمن في أن سيدنا ابن مسعود سمع من حضرة النبي ﷺ، وأنت اليوم تسمع ممن سمع، عَبْر سلسلة ذهبية متصلة. وهنا تتجلى بركة الإسناد؛ فحينما تقول: ""روى الإمام البخاري""، تحضُر في المجلس هِمة الإمام البخاري، فتسعفك هذه الهمة في إزالة حُجب الغفلة عن أُذنك السامعة، لتُسلمك همته إلى همة راوي الحديث من الصحابة. وما إن يصل السند إلى قوله: «سَمِعْتُ»، حتى تتجلى أنوار الصحابي الجليل لترفع عن قلبك ما تبقى من حُجب، فإذا بك، بفضل هذا المدد، تسمع الحديث على مراد النبي، وكأنك تسمعه من فيّ رسول الله ﷺ مباشرة؛ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. هكذا يكون الحال حينما يكون سندك في التلقي والأخذ موصولاً بسلسلة النور. أما إن اقتصرت على القراءة من بطون الكتب فحسب، فاقرأ ما شئت، ولكن اعلم أن مشوار السير سيطول، وعسى الله أن يفتح عليك، فهذا شأن آخر. ولما كان الحديث الذي بين أيدينا متفقاً عليه بين الشيخين العظيمين، فإننا أمام همتين عظيمتين، فتتضاعف بهما همة التلقي. يا ولدي، إن حضرة النبي ﷺ يناديك، فكيف تسمع؟ نداء الحال يقول: ""فَرِّغ لنا سَمْعَك نُحَدِّثك، فَرِّغ لنا قَلْبَك نُؤَانِسْك، فَرِّغ لنا سِرَّك نُورِّثك"". قبل أن يطرق سمعك قول: «قَالَ رَسُولُ اللهِ»، يجب عليك أن تُخلي قلبك وتُطهر باطنك من كل شواغل الدنيا، لتستقبل الأنوار النبوية بأسماع صافية خالية من كل تشويش.
وهنا يصدح صوت النبوة، حيث ينقل سيدنا ابن مسعود عن رسول الله ﷺ قوله: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّاباً». تأمل معي يا ولدي في دقة الألفاظ وبلاغة الوصف النبوي؛ فقد عبر بالصدّيقية صيغة مبالغة في الصدق، بينما لم يبالغ في وصف الكذاب إلى ما هو أشنع منه، لتتجلى لك رحمته ﷺ. إنك حين تتأمل في حكاية هذا الدين وروحانيته، تدرك يقيناً أنك تغرق في بحر من الرحمة الإلهية، رحمة كاملة تنبثق من رحمن متصف بالكمال المطلق. وهذا كله يجعلك تعيش حالة من الافتقار والانكسار، وكأنني الليلة، وأنا أقف على باب سيدنا الإمام الحسين مستمداً من أنواره، أستقبل تلك النفحات التي تملأ الروح وتُشحن بها القلوب، فهل أنا إلا محب يخاطب أرواحكم؟
ولنا أن نقف وقفة إجلال أمام راوي هذا الحديث؛ سيدنا عبد الله بن مسعود. وإياك يا ولدي أن تنسى إطلاق لفظ السيادة حين تذكر أحداً من صحابة رسول الله ﷺ. قد تقول لي: إن الإمام البخاري في صحيحه ذكر اسمه مجرداً وقال "روى ابن مسعود"، فأقول لك: ذاك هو الإمام البخاري في جلال قدره ومقامه العلمي، فهل بلغت أنت شأو البخاري؟ إن الأدب في طريقنا مُقَدَّمٌ على الاتباع، فلا تذكرهم إلا مبجلين، ولا تقل "ابن مسعود" مجردة فتُحزن قلبي منك. تعال معي لنتعرف على حكاية سيدنا عبد الله بن مسعود. كان رضي الله عنه رجلاً دقيق الجسد، نحيف البنية، قليل الوزن، بيد أنه كان يمتلك في جسده النحيل عضواً يزن عند الله جبل أُحد. وفي ذلك يروى أن سيدنا ابن مسعود صعد يوماً نخلة ليجني منها شيئاً لرسول الله ﷺ، فتمايلت النخلة وكشفت الريح عن ساقيه، فبدت دقيقة نحيفة. فتبسم بعض الصحابة، وإياك أن تظن أن تبسمهم كان سخرية منه حاشا لله؛ فهم أرقى وأطهر من أن يقعوا في مثل هذه الصغائر التي نقع نحن فيها، بل ربما كان تبسمهم إعجاباً بحاله، وتعجباً من أن معنى هذا الرجل العظيم وروحه الوثابة تفوق بكثير مبناه الجسدي. وما كان من حضرة النبي ﷺ إلا أن تدارك الموقف ليرد الجمال للجلال، ويصون كمال المشهد النوراني، فقال كلمته الخالدة ⁽⁵⁾: «لَرِجْلُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ». فالميزان هنا ليس ميزان الناس الظاهر، بل هو ميزان الحق جل وعلا الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
وما أدراك ما جبل أُحُد! إذا أردنا أن نعرف قدر هذا الجبل ومكانته، فليكفيك أن حضرة النبي ﷺ كان إذا اقترب من المدينة المنورة نظر إليه بعين الجمال وأشار قائلاً ⁽⁶⁾: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». وليس العجب في أن الجبل يحب رسول الله، فكلنا وكل الأكوان تحبه، ولكن العجب كل العجب في قوله: «وَنُحِبُّهُ»، فقد حظي الجبل بمحبة النبي المختار. ولقد بلغ هذا الجبل في مدارج الوجد ومقامات الأدب شأناً عظيماً؛ فحينما صعد عليه سيدنا رسول الله ﷺ، لم يحتمل الجبل ثقل الأنوار النبوية، فاهتز وتمايل طرباً ووجداً، حتى أمره النبي ﷺ قائلاً ⁽⁷⁾: «اسْكُنْ أُحُدُ»، فسكن واستقر. ولماذا سكن؟ سكن تأدباً مع أمر رسول الله ﷺ. ولقد كان والدي، رحمة الله عليه، يقول بعين البصيرة: ""لو لم يُثَبِّتْهُ النبيُّ ﷺ، لظللنا نزوره إلى يومنا هذا وهو يهتز"". سكن الجبل في ظاهره أدباً، ولكنه في باطنه على حاله من الوجد، على طريقة سيد الطائفتين وإمام الصوفية الإمام الجنيد -أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري المتوفى سنة 297 هـ- مصداقاً للآية الكريمة ⁽⁸⁾: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ صُنع الله.
إذا كان هذا هو جبل أُحد، فكيف بساق سيدنا عبد الله بن مسعود التي هي في ميزان الله أثقل من هذا الجبل العظيم؟ إن هذه المرتبة الرفيعة التي بلغها ابن مسعود، يُطلق عليها سادتنا الصوفية مقام "الأوتاد". والأوتاد الكُمَّل هم عباد لله استقرت أرواحهم كما تستقر الجبال؛ فالجبل العظيم يكون ثلثاه غائصاً في أعماق الأرض، وما يظهر للناس منه ليس إلا الثلث. وهكذا هم الأوتاد، باطنهم في الاتصال بالله أعظم وأقوى من ظاهرهم للناس، وهم الذين تتنزل بركاتهم وتُستدفع بهم البلايا، وبهم يرحم الله الكون.
