بقلم: الشيخ جابر بغدادي
القرآن وِرد الأوراد وعطر المؤمن: تأملات روحانية في هجران التلاوة وثمار القلوب
القرآن وِرد الأوراد وعطر المؤمن: تأملات روحانية في هجران التلاوة وثمار القلوب
القرآن غاية المقاصد ووِرد كل الأوراد يا ولدي، احذر أن تزل قدمك في مسالك الطريق؛ فترى من السالكين من ينشغلون بالعبادات وينكبون على إقامة الأوراد، ثم تراهم في غفلة يتركون القرآن الكريم! اعلم، أرشدك الله، أن القرآن العظيم هو وِرد كل الأوراد، ومنبع كل سر ومكرمة. وإن هجران القرآن الكريم لهو حسرة كبرى وندامة لا تجبر في الدارين. ثمار القلوب ومنازل السالكين في تلاوة الكتاب لقد ضرب لنا الصادق المصدوق أروع الأمثال في بيان حال القلوب مع كلام علام الغيوب؛ فبيّن مراتب الناس لتكون لك نبراساً يهتدى به. فقد جاء في الأثر ⁽¹⁾ عن الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ)، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ...». والأترجة، يا ولدي، ثمرة طيبة تشبه في زماننا "التفاحة" أو ما شابهها من الثمار الزكية؛ ثمرة تفوح منها رائحة عطرة، ويحلو في الفم طعمها. وأما مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، فكمثل "التمرة"؛ طعمها حلو لذيذ، ولكن لا ريح لها يفوح. ثم ينتقل البيان النبوي إلى حال أهل النفاق لكي تحذر مسالكهم، فمثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل "الريحانة"؛ يغرك ريحها الطيب الفواح، بيد أن طعمها مر لا يُستساغ. ومثل المنافق الذي أعرض عن القرآن فلا يقرؤه، فهو كمثل "الحنظلة"؛ شجرة خبيثة لا ريح لها، وطعمها في الحلق مر كالعلقم. سر الطعم والريح: تطابق الظاهر والباطن ولعلك تسأل يا ولدي متفكراً: ما السر الكامن وراء ذكر الطعم والريح في هذا المقام الرفيع؟ وما الحكمة من هذا التشبيه النبوي البديع؟ أجيبك بما يفيض به نور الحديث؛ حينما تقرأ هذا البيان المحمدي، تدرك أن سيدنا النبي ﷺ كان يرمي إلى معنى جليل، وهو أن القرآن الكريم هو عطر المؤمن الذي يتضوع به في العالمين. فالمؤمن الصادق تكون أحواله صحيحة، وتكون أفعاله مستقيمة، فإذا تلا القرآن استقامت أقواله وعلت؛ فتتطابق أفعال صاحب القرآن وأحواله الباطنة مع إيمانه الراسخ. هذا التطابق العجيب في حياة الإنسان يجعله في مقام تلك الثمرة الطيبة، كالتفاحة أو الأترجة؛ فرائحتها حلوة، وهذا هو "الظاهر" الذي يفوح ببركة التلاوة، وطعمها حلو، وهذا هو "الباطن"، حيث الأعمال الصالحة والسريرة النقية، مصداقاً للمقولة المشهورة بين أهل العلم والمستنبطة من روح الشرع الحنيف: "الدين المعاملة" ⁽²⁾.
أما إذا نظرنا إلى الصنف الآخر؛ وهو مؤمن نقي السريرة، لكنه هجر كتاب ربه ولا يعرف للقرآن طريقاً، فإنك تجده ذا روائح مكتومة ومزكومة. لا يفوح منه ذلك العطر الروحاني الذي يميز العارفين. وتسألني متعجباً: ولماذا تنكتم رائحته وتنزوي؟ الجواب يكمن في قلب الحقيقة المحمدية؛ لأن القرآن بحد ذاته هو ريح المؤمن، وهو عطره الفواح الذي يسبقه إلى القلوب قبل أن تنطق الشفاه. فمن فقد تلاوة القرآن، فقد عطره، وبقيت أنفاسه الروحية حبيسة لا تتنسم عبير القربات، فاجعل يا ولدي لك من كتاب الله ورداً لا ينقطع، ليفوح مسك إيمانك في ملكوت السماوات والأرض.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الظاهر والباطن: القرآن مرآة الإيمان وعطر الموحدين)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الأولويات وأسرار العبادات: القرآن وِرد الأوراد وميزان الأعمال بين الظاهر والباطن)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مسالك السالكين بين الأوراد والقرآن: عطر الإيمان وتطابق الظاهر والباطن)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التفريغ والتوثيق العلمي: القرآن ورد الأوراد وعطر المؤمن وميزان الظاهر والباطن)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (الاكتفاء بالأوراد وهجران القرآن: لماذا أشعر أن روحي مكتومة؟)الأسئلة
