بقلم: الشيخ جابر بغدادي
فى ساعة الإجابة ماذا تتمنى
فى ساعة الإجابة ماذا تتمنى
أُمنّي النفس، يا ولدي، أن تُكلَّل بناتنا بتاج الحياء والحجاب، وأرجو للإنسانية جمعاء أن تنطفئ نيران الحروب التي تستعر في جنبات العالم. إنني لأحلم، ولنا أن نحلم، بيومٍ تشرق فيه شمسه، فيرفرف فيه العالم بأسره في ظلال السلام، وينعم ببرد اليقين ونعمة الإسلام.
أرجو لكل روحٍ لم تتذوق بعد حلاوة معرفة سيدنا وحبيبنا النبي، أن يُكرمها الله بمعرفته. وأسأل الله لكل إنسان لم يُرزق قسمته وحظه ونصيبه الأوفى من السعادة، وكان نصيبه منها قليلاً، أن يُفيض الله عليه من خزائن رحمته ما يوسع به حظه ومقامه في دروب السعادة.
وأضرع إليه أن يشفي كل مريض، وأن يعافي كل مبتلى.
إنني، يا ولدي، أتمنى الخير لكل إنسان في هذا الكون المديد، حتى وإن باعدت بيننا مسالك العقيدة؛ لأن الله، جل جلاله، قد سقاني من معين المحبة، وكما قيل في أنداء المعرفة: ""سقاني الهوى كأساً من الحب صافياً، فيا ليته لما سقاني سقاك""⁽¹⁾.
فيا ليت هذا النور يعم العقول.. أتمنى من الله أن يُشرق نور حضرة النبي على عقول العالمين أجمعين.
وأطمع في فضل الله ألا يبقى كافر واحد في هذا الكون، وإن وُجد، فإني أرجو أن يستوعبه الله بفيض شفاعته، وبواسع رحمته ومغفرته.
يا ولدي، إنني أتمنى من الله أن تستحيل الإنسانية إلى جنة وارفة الظلال، تنطفئ فيها سُعر الحروب، وينقشع هذا الغلط وذلك التيه الذي يكابده العالم. أتمنى من الله أن نُصلي جميعاً في رحاب المسجد الأقصى، وأن نطوف خاشعين بالبيت الحرام.
كما أرجو من الله لي، ولكل مسلم ومسلمة، ولكل إنسان يحمل بين جوانحه قلباً ينبض بالإنسانية، أن تدركنا تلك الساعة عند دنو الأجل، وتفيض أرواحنا ونحن سُجّدٌ في روضة رسول الله، وأن تشملنا رحمةٌ من رحمات الله الخفية.
فالله تعالى هو القادر على إخماد الفتن، وكما أخبرنا في محكم التنزيل: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾⁽²⁾، فنسأله أن يطفئ عن العالم هذه الأزمات والمحن، وينقذ هذا الشباب الذي ألقى بنفسه في مهاوي الانتحار، أو اجترأ على سموم المخدرات.
أتمنى من الله أن تعم الهداية قلوب شبابنا وأولادنا وبناتنا في كل أرجاء العالم. أن يدرك كل إنسان أن لهذا الكون رباً يدبر أمره، وأن هذا الرب مطلع على خفايا النفوس، فلا يعصاه. أن يعرف الإنسان للإنسان حرمته، وأن يدرك للأوطان قداستها وحرمتها، موقناً أن الوطنية دين، وأن حب الأوطان من صميم الإيمان⁽³⁾.
أتمنى من الله ألا تمزقنا همجية شياطين الإنس، ولا حيوانية أولئك الذين لا يفقهون للدين معنى. أن نثوب جميعاً إلى رشدنا، وأن يجمعنا نداء السلام في حضرة الإسلام، وأن تحتوينا وتغمرنا رحمة الله المهداة للعالمين، مصداقاً لقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾⁽⁴⁾.
وأرجو من الله لكل إنسان يطأ كوكب الأرض في هذه اللحظة، أن يحيا موحداً، وأن يموت موحداً.
وأسأل الله سبحانه وتعالى في هذه الساعة المباركة، أن يغفر لنا جميعاً وللمسلمين، ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا⁽⁵⁾، وأن ينظر إلى العالمين نظرة سلام ونظرة رضا، تطفئ عنا الفتن، وتُخمد الحروب، وتُسكن الأوجاع والأوبئة، يا رب العالمين.
وأن يؤلف بين قلوب العالمين، ويجمع المسلمين وحدةً واحدة، ويؤلف صفهم، ويجمع وحدتهم، يا رب العالمين. فلتكن، يا ولدي، محباً للخير؛ فإن من أرقى مراتب الدين أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك لتكون مسلماً حقاً، كما أوصانا الحبيب المختار: «وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما»⁽⁶⁾.
إن الأخوة، يا أبناء الروح، لا تقتصر على دوائر الإسلام فحسب، بل نحن نجتمع مع أي إنسان في الدنيا في أصول وروابط كثيرة. فإن لم نجتمع على دين يوحدنا، فلنجتمع على الديان الذي أوجدنا من عدم. ألا ترى، يا ولدي، أن الله عز وجل يخاطبنا في كتابه بمتعدد الألقاب؟ فتارة ينادي أهل الإيمان في معرض الأحكام قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وتارة أخرى يستنهض فيك الفطرة الإنسانية والنخوة قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾⁽⁷⁾، وتارة ينادي الناس كافة بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾.
تخيل، يا ولدي، حين يدرج الحق سبحانه النداءات، فإنما يفعل ذلك ليشمل القرآنُ العظيمُ كلَّ الخلائق بخطابه، ويناشد الكل للعودة إلى رحاب الله.
فأنا أتمنى، كما منّ الله عليّ بالهداية إلى الإسلام، أن يوحد الله كل من يعيش على كوكب الأرض، وأن يعرف كل من في الأرض مقام سيدنا رسول الله. أن تنمحي آثار التبرج والسفور، وأن يُبغِّض الله إلى قلوب العالمين المخدرات وأفعال الشياطين، وأن يُبطل مزاعم إبليس في هذا الكون.
وأن يهيئنا سبحانه لحقيقة الهداية الكبرى، ويولّينا الولاية العظمى، وأن يجمعني وإياكم في الجنة، مع كل من استمع إلينا. وأن يهدي أولادنا وبناتنا وذرياتنا، ويجعل سر هذه المجالس المباركة سارياً فيهم إلى يوم القيامة.
إلهي، استودعناك ما أودعتنا من الإيمان، واستودعناك ما أودعتنا من قلوب تنبض بتوحيدك. اللهم إنني لا أملك لنفسي، ولا يملك أحد من الحاضرين لنفسه نفعاً ولا ضراً. اللهم إنا قد لجأنا إليك، وتوسلنا في صلاح أحوالنا بك، وتوكلنا في كل أمورنا عليك.
نرجوك اللهم، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، أن تقبلها منا شهادة صدق تدخرها لنا عندك، فتلقننا إياها عند دنو الأجل، لنخرج من هذه الدنيا الفانية وأنت راضٍ عنا.
اللهم يا مولانا، اجعلنا من أعبد عبادك لك، ومن أطوع عبادك لك، واجعلنا من أرضى عبادك بقسمتك. واجعلنا ممن أحسنوا إلى الجوار، فأحسنت إليهم بدوائر الألطاف، وأدخلتهم في معاني الأنوار ودوائر الجوار.
اللهم يا مولانا، استودع قلوبنا كمال المودة ودوامها، وأدخلنا في مراقي الرحمة، وأنزلنا منازل العطف واللطف وكمال اليقين، حتى نعبدك عبادة المسلمين الكُمّل، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، مصداقاً لقولك الحق: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾⁽⁸⁾.
