بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كيف نصل إلى الأنس بالله: أسرار من سورة الكهف وطي الزمان لأهل العرفان
كيف نصل إلى الأنس بالله: أسرار من سورة الكهف وطي الزمان لأهل العرفان
سر الأنس بالله وسجود الزمان لحضرة القرب اعلم يا ولدي
نور الله قلبك بنور اليقين، أنه إذا حصل الأنس بالله تعالى، وقف الزمن إجلالاً وتلاشت حدوده. تأمل بعين بصيرتك في حال فتية الكهف؛ لقد غابوا في أنوار الحضرة الإلهية فلم يدروا كم لبثوا من السنين، وقد سطر الحق إقامتهم في كتابه المكنون قائلاً: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾⁽¹⁾. ثلاثمائة وتسع من السنين انقضت، ولكن الإنسان حينما يكون قابعاً في كنف الحق، وتحت ظلال رعايته، يتبدد في عينيه أمد الزمان، حتى قاموا من رقدتهم يتساءلون في دهشة العارفين: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾⁽²⁾. نعم أيها المريد، فهو حال الأنس، إن تجلى على القلب سجد الزمن، وتوقف الوقت عن الجريان، وثبتت حسابات البشر، وتنزلت على الأرواح أنوار باهرة لا تدركها العبارة، وحلت أسرار وإشارات علوية لا تحيط بها مقاييس العقول ولا تفي بها معايير الدنيا القاصرة. هنالك، وفي تلك المقامات العلية، يصير العبد نزيل مواقيت الحقيقة، متجرداً من مواقيت المجاز وزيف الأوقات الفانية.
اللجوء إلى الكنف الإلهي ومعراج الأرواح الضعيفة
ولما لبث أهل الكهف هذا الأمد الطويل الممتد لثلاثمائة وتسع سنين، كان السر الأعظم يكمن في أنهم أووا بقلوبهم إلى الله، فآواهم الله بفضله إليه. ولذلك، جاء التوجيه القرآني العظيم يحمل سر المأوى ومقام الاحتماء، فلم يقل الحق سبحانه وتعالى لهم "فاذهبوا إلى الكهف"، بل قال بلفظ يحمل غاية الحنو: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾⁽³⁾. فالأمر هنا ليس مجرد انتقال بدني، بل هو لجوء روحي واحتماء. "حاشا لكريم أن يردهم عطشى وقد وفدوا لنهل الجود من ذا المنبع"⁽⁴⁾، وحاشا لرب جليل أن يأوي إليه عبد من عباده منكسراً إلا آواه وتولاه. وحينما يأوي العبد إلى ربه متدثراً بثوب الضعف، يأوي الله إليه بسابغ اللطف، وحينها يخرج العبد من ضيق معيار الزمن، وينعتق من سجن الكيف والكم. يسجد له الوقت طواعية، وينصرف عنه المقت وغضب المقادير، وتغدو حساباته هي حسابات الحقيقة الإلهية الباقية، لا حسابات الدنيا الزائلة ولا حسابات الطرائق القاصرة.
معية الصالحين وسر الروح السارية في المخلوقات
فإذا رغب المرء يا ولدي أن يغدو ويروح والزمن طوع أمره بل ومن جملة خدامه، فليكن مع الله في سره وجهره، أو فليكن في معية من هو مع الله. وتأمل في عجيب صنع الله ولطفه، فالكلب الذي صحب أهل الكهف لم يكن يعرف بعقله البهيمي ماذا كانوا يقصدون، ولا إلى أي مأوى يأوون، غير أن الروح التي أودعها الله في ذلك المخلوق استشعرت بصدق أن هؤلاء الفتية قادمون على رضوان من الله أكبر. فآوى إليهم كما أووا إلى ربهم، فكان الجزاء الأوفى أن حسبه الحق عليهم، ونسبه إليهم في كتابه العزيز، وعده من جملتهم؛ لأن الله معهم، وما عده معهم في قرآنه إلا لأنه لازم من كانوا في معية الله.
طمأنينة القلوب وملاذ الأرواح في زمن المحن والكروب أيها المحب الصادق
إننا نعيش في وقت بلغت فيه الأنكاد مبلغا عظيما، وأحاطت بنا المتاعب والهموم والضجر من كل جانب. ولكن الله سبحانه وتعالى يأويك إلى كنف رحمته حينما تأوي إليه، عطاءً ينسيك مرارة مشاكلك ويمحو أثرها من قلبك. وكلما تليت الصلوات على النبي المختار، ولهج اللسان بالأذكار والمناجاة، وصل الإنسان إلى مقام استشعار الفرج وانشراح الصدر في وقت يدعو واقعه كله إلى اليأس والقنوط. ولذلك نادى الحق سبحانه وتعالى نبيه الكريم والمؤمنين موجهاً إياهم إلى سر الصبر الجميل قائلاً: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾⁽⁵⁾، ذلك لأن مأوى هؤلاء الصادقين هو الجنة، ومنازلهم التي يترقون فيها في الدارين هي منازل الرضا والقبول.
طي الزمان لأهل العرفان وكرامات الأولياء
وهنا قد يقف العقل البشري المحدود ليتساءل متعجباً: كيف يتسنى لأقطاب الأمة وأكابرها أن يطووا الزمان طياً؟ سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه⁽⁶⁾، كيف كان يختم كتاب الله كاملاً في ركعة واحدة، وكيف كان يحيي بختمة كاملة ليلة واحدة؟ وكيف كان يتأتى ذلك لإمام المحدثين الإمام البخاري⁽⁷⁾ أن يختم القرآن في ليلة؟ وكيف كان الإمام الشافعي⁽⁸⁾ يختم القرآن في ليلته متجاوزاً حدود الأوقات المعهودة؟ لعمري يا ولدي، إني على يقين تام أن أحدهم لم يكن لديه من القوى البدنية الخارقة التي تجعله يغلب الزمن بقوة الجسد، غير أن السر الأكبر والفيض الأعظم، أنهم اجتبوا إلى مقام الأنس بالله، واصطفوا لتلقي فيوضات ذلك الأنس. فلما لزموا السكينة في حرم الحق، وتجردوا من أنفسهم، دانت لهم الأوقات، وصار الزمان بين أيديهم بساطاً مطوياً يتصرفون فيه ببركة الحضور مع الله تعالى. فمن أخلص اللجوء، طوى له مولاه المسافات، وجعل الأزمان في خدمته تسبح بحمد ربها وتأتمر بأمر وليها.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الأنس بالله وتوحيد الأفعال: قراءة عقدية في طي الزمان لفتية الكهف وكرامات الأولياء عند الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (مقامات الأنس بالله وعلاج أمراض القلوب: إشراقات سلوكية من سورة الكهف في مدرسة الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (تفريغ وتوثيق أكاديمي لمقطع كيف نصل إلى الأنس بالله للشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (حيرة الغارق في ضيق الوقت وثقل الهموم: كيف أجد الأنس بالله في زمن التشتت؟)الأسئلة
