بقلم: الشيخ جابر بغدادي
هذا هو سبب الفقر ومانع البركة في الحياة
هذا هو سبب الفقر ومانع البركة في الحياة
حقيقة الأرزاق: أبعد من حدود المادة
ما عسى أن يكون المعنى الكامن وراء دعائنا الدائم: "اللهم ارزقنا"؟ إن الرزق يا ولدي لا ينحصر أبداً في دراهم تُعد أو دنانير تُكنز؛ بل هو أعمق من ذلك وأجلّ. فاطلبوا من الله تعالى الهداية؛ فإن الهداية من أعظم الأرزاق، واطلبوا منه جل وعلا العناية؛ فإن العناية أرزاق سابغة، واطلبوا منه القرب؛ فإن القرب أرزاق ، واطلبوا من الله جريان ذكره على ألسنتكم؛ فإن جريان ذكر الله على اللسان يعد من أرفع الأرزاق العلية التي يتفضل بها الحق على عباده المصطفين.
شؤم البخل: أبواب تُغلق وأمداد تُقطع
واعلم يقيناً يا أيها السالك، أن الزهد في المال هو ذاته باب لكثرته، ومفتاح للزيادة في الرزق. فما حال الشحيح إلا كمن أوصد على نفسه بابين عظيمين: باب القبول عند الخالق جل جلاله، وباب القبول عند الخلق. فما شأن البخيل؟ كما أخبر المصطفى ﷺ: «البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار» ⁽¹⁾. وعليه، فإن أموالك هذه قد تنقلب نيراناً تستعر، إن لم تؤد حق الله فيها.
وإياك يا ولدي أن تظن ولو للحظة أن البخيل بمنعه قد حرم الفقير! كلا، فالفقير له رب يتكفل برزقه ولا يضيعه. فمن الذي حُرم إذن؟ إنما حرم البخيل نفسه من بركات الزيادة. وفي هذا المعنى الشريف نظمت بيتاً في "القصيدة الخضرية" قلت فيه: ⁽²⁾
"ففي البر سر السر والجود رفعة ... وفي البخل تقطع ما يفاض من المدد"
أجل، لقد قطع الشحيح على نفسه روافد العطاء الرباني.
فإذا تساءلنا: ما هي العوامل التي تقف حائلاً دون الرزق؟ وما هي موانعه يا ولدي؟ فالإجابة تتجلى في "البخل". إن البخل يقف سداً منيعاً يحجب القبول عند الله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ⁽³⁾. فإن كنت تروم نيل ما عند الله، فأنفق مما بين يديك؛ ذلك أننا في مدارج السلوك ندرك حقيقة جلية: "لا نملأ الأواني المملوءة"، فما لم تُفرغ وعاءك بالعطاء، فلن يتسع لفيوضات السماء.
غاية العطاء: إفراغ الأواني لتستقبل فيوضات السماء
دعني أبسط لك الأمر يا ولدي.. إن الغنى أشبه ما يكون بالكأس، فما دام ممتلئاً عن آخره، فأين نضع لك المزيد؟ وهنا تتجلى الآية الكريمة: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ⁽⁴⁾. ولعلك تتأمل.. لماذا حُرِّم الربا؟ لقد حُرم لأن المرابي يضاهي بصنيعه مقامات الربوبية؛ فقد نصب نفسه رباً ليتجبر بما أوتي من مال على خلق الله، مستغلاً ظروفهم ومشتطاً في ظلمهم. وبينما يتعامل المرابي بالزيادة الباطلة؛ فيعطيك الحسنة ليردها لنفسه بعشرة أضعاف ظلماً، فإن الله يتعامل معك بفضل الكرم الحقيقي.
أدب الاستقراض الإلهي: صيانة لماء وجه الفقير
فكيف يعاملنا الحق سبحانه؟ إنه يعكس الصورة تماماً! فحين يطلب منك الإنفاق، يتنزل إليك بخطاب الاستقراض قائلاً: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ⁽⁵⁾. ووالله إنما جاءك الفقير مستقرضاً لتتجلى رحمة الله به، فيصون ماء وجهه أمامك، ولا يترك لك مجالاً لتتعالى عليه متقمصاً دور المعلم أو العمدة، فكأن الحق يقول لك: "أنا الذي استلفت منك، وما أنفقته فهو وديعة عندي؛ إن أعطيته ألفاً رددتها أضعافاً، وإن أنفقت جنيهاً جازيتك عليه بعشرة، بل وأضاعفه لك". فتخيل يا ولدي، حين يفيض عليك مالك الملك من مضاعفاته وكرمه، كيف يكون العطاء؟
ولقد صدق العارفون ⁽⁶⁾ حين عبروا عن هذه اللطيفة الإلهية بقولهم: "علم الله أن حجاب الحرص عليك بيّن، وأن حبك للمال ليس بهين، فخاطبك خطاباً ليناً وقال: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾". نعم، لعلمه سبحانه بميلك وشغفك للمال وأنك لن تعطيه بسهولة، تلطف معك ودعاك لتودع مالك في خزائنه. إن هذا الفقير لم يأتِ مستجدياً، بل جاء ليأخذ حقه الذي قرره الله له في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ ⁽⁷⁾. فتأمل الدقة؛ لم يقل "فضل معلوم" بل قال "حق معلوم". فلو انكشفت لك الحقيقة، لأيقنت أن هذا السائل الآخذ منك إنما هو "هدية من الله" سيقت إليك لتطهرك.
جريان الذكر على اللسان: تاج الأرزاق ومفهوم البقاء
والمقصد الأسمى أن ندرك ماهية الأرزاق الحقيقية. فمن ألطف الأرزاق التي تتنزل مع الإنفاق: أن تمد يد العطاء للفقير، فتتذوق حلاوة سعادته تسري في أعماق قلبك. فكم من عنده مال فاقد للسعادة، تحاصره الأسقام والعلل من كل حدب وصوب! إن من أعظم المعاني التي تشرع أبواب الرزق: العطاء والكرم. واعلم أن الكرم من أشد الصفات التي يغار الحق سبحانه عليها، فلا يحب أن ينازعه فيها أحد من خلقه.
فلماذا يا ولدي ضيّقنا الواسع وحصرنا الرزق كله في المال والولد؟ إنما تلكم الأشياء من "زينة الرزق"، أما "حقيقة الرزق" وجوهره فهو جريان ذكر الله على لسانك. فالمال قد أُعطي لك لتعيش به في الدنيا، أما إذا رُزقت زُهداً فيه وأنفقته في سبيل مرضاته، فإنك بذلك تحيى به في الآخرة.
ولقد جاء سيدنا رسول الله ﷺ ليصحح هذه المفاهيم في القلوب، ويرتقي بنظرتنا لمعنى الرزق الباقي. ويتجلى ذلك حين ذُبحت شاة في بيته الشريف، فخرج ﷺ، فقامت السيدة عائشة رضي الله عنها بالتصدق بالشاة كلها، مستبقِيةً كتفها فقط؛ لعلمها بما يحبه النبي ﷺ من هذا الجزء. فلما عاد سألها: أين الشاة؟ فقالت بنظرة الحساب الدنيوي: ذَهَبَتْ كُلُّهَا وبقي كَتِفَهَا. فأجابها المربي الأعظم مصححاً البوصلة نحو الخلود: «بَقِيَتْ كُلُّهَا غَيْركَتِفِهَا» ⁽⁸⁾. هكذا يُبنى الوعي، وهكذا تُصاغ معادلة البقاء الدائم!
