Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

أنوار العقيدة في ميادين السيرة: تصحيح مفاهيم التوحيد ومقامات اليقين من غزوة أحد

مقال عقدي تفصيلي بليغ، يُفرغ فيه الدكتور جابر بغدادي أسرار العقيدة الإسلامية من قلب السيرة النبوية، مصححاً مفاهيم التوحيد والواسطة، ومُبرزاً عقيدة أهل السنة والجماعة في حياة البرزخ، وتكليم الله لعباده كفاحاً، في رحلة إيمانية ترتقي باليقين وتدفع شبهات الغلو والتفريط.

كمالُ التوحيدِ وإثباتُ الواسطةِ العُظمى

تأملْ يا ولدي في أسرارِ التشريعِ الربانيِّ، وقفْ بقلبِكَ عند المعاني العقديةِ الدقيقةِ التي تتجلى في سيرةِ الحبيبِ المصطفى صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه. ففي حادثةِ الإفكِ، تتجلى لنا مسألةٌ من أدقِّ مسائلِ العقيدةِ، حينما برَّأَ اللهُ أُمَّ المؤمنينَ السيدةَ عائشةَ رضي اللهُ عنها بقرآنٍ يُتلى. فلما دخلَ عليها النبيُّ مُبشراً، قال لها الصِّدِّيقُ أبو بكرٍ رضي الله عنه: "اشكري رسولَ الله". فقالتْ بيقينِ الموحدين: "لا، بل أشكرُ الله"⁽¹⁾.

وهنا يبرزُ لنا العارفُ باللهِ، تاجُ الدِّينِ وعَلَمُ التصوفِ السُّنيِّ، الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ)⁽²⁾، ليفكَّ لنا أزرارَ هذه المسألةِ العقديةِ بميزانٍ دقيقٍ؛ فيقولُ إنَّ صنيعَ السيدةِ عائشةَ رضي الله عنها كان هو "الكمالَ" في التوحيدِ، بيدَ أنَّ رأيَ الصِّدِّيقِ أبي بكرٍ كان هو "الأكملَ". ولعلك تسألُ يا ولدي: وكيف يكونُ شكرُ المخلوقِ أكملَ من شكرِ الخالقِ؟ حاشا للهِ أن يكونَ هذا هو المراد؛ ولكنَّ الصِّدِّيقَ كان يقرأُ من مشكاةِ النبوةِ التي أعلنتْ القاعدةَ العقديةَ الراسخةَ: «لم يشكرني من لم يشكر من أجريتُ النعمةَ على يديه»⁽³⁾.

ولك أن تتساءلَ يا ولدي: لماذا جُعلتْ شهادةُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ شطراً لا يتجزأُ من شهادةِ التوحيدِ "لا إله إلا الله"، وقُدِّمتْ على إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وسائرِ الأركان؟
السرُّ العَقديُّ هُنا: أنَّ العبدَ بعد معرفتِهِ بالتوحيدِ، وإقرارِهِ بوحدانيةِ الخالقِ، لا يَصلُحُ أن يُدرجَ في سلكِ العبيدِ المقبولينَ إلا من طريقِ البابِ الذي ارتضاهُ اللهُ، وهو سيدنا محمدٌ . إنَّ التطاولَ على السُّنةِ ليس محصوراً في الابتداعِ المذمومِ، بل إنَّ أشدَّ أنواعِ التطاولِ جرأةً وخفيةً، هو أن يُخيَّلَ للمرءِ أنهُ يصلُ إلى اللهِ مباشرةً مستغنياً عن نبيِّنا الشفيعِ المُشفَّعِ!

وهنا نضعُ تدبيراً احترازياً لعقيدتِكَ يا ولدي؛ فإياكَ أن تفهمَ من إثباتِ "الواسطةِ النبويةِ" أننا نجعلُ مع اللهِ شريكاً أو نداً، فهذا هو الشركُ الجليُّ الذي جاءَ النبيُّ لهدمِهِ. إنما العقيدةُ الصحيحةُ هي اليقينُ الجازمُ بأنَّ اللهَ جلَّ جلالهُ هو "المُسَبِّبُ" الأوحدُ، وهو المُعطي والمانعُ، ولكنهُ سبحانهُ بحكمتِهِ جعلَ سيدنا محمداً هو "السببَ" الأعظمَ والواسطةَ العُظمى في الهدايةِ والرحمةِ. فشكرُ الواسطةِ هو عينُ الامتثالِ لأمرِ المُسَبِّبِ سبحانه، ومن تخطى النعمةَ فقد جحدَ المنعمَ، وكما قيل: "وقدِّم إماماً كنتَ يوماً إمامهُ.. وصلِّ صلاةَ الفجرِ في أولِ العصرِ. فهذه صلاةُ العارفينَ باللهِ يا فتى.. إن كنتَ منهُم فانضحِ البَرَّ بالبحرِ"⁽⁴⁾. فإياكَ أن تُصلي بلا قِبلةٍ ظاناً أنك أدركتَ التوحيد.

مقامُ الاصطفاءِ وعقيدةُ العصمةِ والشفاعة

دعنا نرتقي يا ولدي في مدارجِ العقيدةِ لنفهمَ "مقامَ الاصطفاءِ" المُحمديِّ مقارنةً بمقاماتِ سائرِ الأنبياءِ عليهم السلام. تأملْ قوله تعالى عن نبيِّهِ إدريسَ عليه السلام الذي كان يُصلي على النبيِّ مع كلِّ غرزةٍ يغرزها: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾⁽⁵⁾. وتأمل قوله عن سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾⁽⁶⁾.
هُنا وقفةٌ عقديةٌ دقيقةٌ؛ فإدريسُ عليه السلام قُبضَ وانتهى إلى "مكانٍ" في السماءِ الرابعةِ، بينما عيسى عليه السلام، لأنهُ بشَّرَ بمقدمِ سيدنا "أحمد"، رُفعَ إلى "مكانةٍ"، ولذلك جاء التعبيرُ القرآنيُّ بـ ﴿إِلَيْهِ﴾، والضميرُ عائدٌ على الذاتِ الإلهيةِ العليةِ لبيانِ شرفِ القربِ والمكانةِ.

وهذا يقودنا إلى عقيدةِ "الشفاعةِ العُظمى" يومَ القيامةِ؛ ففي الحديثِ الصحيحِ أنَّ الخلائقَ يفزعونَ إلى عيسى عليه السلام، فيقولُ لهم: «لستُ لها»، ولا يذكرُ لنفسهِ ذنباً⁽⁷⁾. لماذا لم يُذكر لعيسى ذنبٌ كباقي الأنبياءِ في هذا الموقفِ؟ الإجابةُ تكمنُ في اصطفائهِ للتبشيرِ بـ "أحمد". إنَّ العقيدةَ الثابتةَ تُقرِّرُ أنَّ من بشَّرَ بالنبيِّ ، ومدحهُ، وأحبَّهُ، وصحَّحَ مفاهيمَ الأمةِ عنه؛ فإنَّ اللهَ يتولاهُ ببركةِ هذا الحُبِّ الخالصِ، فيمحو زلاتِهِ ويسترُ عيوبَهُ.

وإنَّ اسمَ "أحمد" لهو آيةٌ من آياتِ العقيدةِ؛ فهو مشتقٌّ من اسمِ اللهِ "المحمود"، وكما ترنمَ حسانُ بنُ ثابتٍ (ت: ٥٤ هـ)⁽⁸⁾: "وشقَّ لهُ منِ اسمِهِ لِيُجلَّهُ.. فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ"⁽⁹⁾. وهذا الاسمُ الشريفُ يهزُّ جلالَ الكونِ، وقد قال الصادقُ المصدوق: «أنا أحمدُ؛ أُهدي بهِ بعدَ الضلالةِ، وأُعرفُ بهِ بعدَ الخمالةِ، وأفتحُ بهِ أعيناً عُمياً وآذاناً صُمّاً»⁽¹⁰⁾. ومع هذا المقامِ الأسمى، تتجلى عقيدةُ "العبوديةِ المحضةِ"؛ فحضرةُ النبيِّ ، وهو أعرفُ الخلقِ بالخالقِ، يقفُ موقفَ الافتقارِ والاضطرارِ والوجلِ، ويجثو على رُكبتيِّ العجزِ البشريِّ قائلاً: «لا أُحصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ»⁽¹¹⁾. فهذه هي العقيدةُ الصافيةُ؛ كمالُ الاصطفاءِ يُورثُ كمالَ العبوديةِ للهِ ربِّ العالمين.

عقيدةُ التوكُّلِ واليقينِ في إمدادِ النُّبوَّة

وفي غزوةِ أُحُدٍ، تتأسسُ أمامنا قاعدةٌ عقديةٌ عظيمةٌ في التوكلِ واليقينِ. حينما أمسكَ النبيُّ بالسيفِ ونادى: «من يأخذُ هذا السيفَ بحقِّهِ؟»⁽¹²⁾، فقام سيدنا أبو دُجانةَ (ت: ١٢ هـ)⁽¹³⁾ رضي الله عنه بذكاءِ المُوقنين، وسألَ عن "حقِّهِ" قبل الديةِ. فأجابهُ : «أن تُقاتلَ بهِ اليومَ حتى ينكسر».

هنا يطرحُ العارفونَ تساؤلاً عَقَدِياً: لِمَ لم يقلِ النبيُّ : "يُقاتلُ بهِ حتى يُقتلَ" فتكون الغايةُ هي الشهادة؟
الجوابُ يا ولدي يرسخُ عقيدةَ "التأييدِ الإلهيِّ"؛ لأنَّ من يأخذُ عن النبيِّ فهو "مَنصورٌ" لا يُقهر، ومَن تدرعَ بمددِ رسولِ اللهِ غَلَبَ ولم يُغلبْ. فلو أعطاهُ عصاً لقاتلَ بها وانتصر. إنَّ يقينَ الصحابةِ بأنَّ البركةَ والتأييدَ معقودانِ بما يأتي من قِبلِ رسولِ اللهِ هو من صميمِ عقيدةِ التوكلِ على اللهِ، لأنهم يعلمون أنَّ المُعطي في الحقيقةِ هو اللهُ، وما النبيُّ إلا القاسمُ الأمين. ولذا نُعلِّمكم أن تدعوا الله قائلين: "اللهمَّ صلِّ على أحمدَ النورِ، المُؤيدِ المنصورِ"، طلباً للتأييدِ الربانيِّ الموصولِ بنورِ النبوةِ.

عقيدةُ حياةِ البرزخِ وحقيقةُ الموت

ننتقلُ الآنَ إلى مسألةٍ عقديةٍ غايةٍ في الأهميةِ، وهي "حياةُ الشهداءِ في البرزخِ" وحقيقةُ الموتِ. حينما أرسلَ النبيُّ مَن يتفقدُ سعدَ بنَ الربيعِ (ت: ٣ هـ)⁽¹⁴⁾ رضي الله عنه في المعركةِ، قال له: «إنَّ رسولَ اللهِ يسألُكَ: أأنتَ في الأحياءِ أم في الأمواتِ؟»⁽¹⁵⁾. فأجابَ سعدٌ: "أنا في الأمواتِ".

هذا الجوابُ يطرقُ بابَ عقيدةٍ ذوقيةٍ صوفيةٍ؛ فالموتُ هنا ليس فقط مفارقةَ الروحِ للجسدِ، بل هو تطبيقٌ لقاعدةِ العارفين: "موتوا قبلَ أن تموتوا؛ فإنَّ مَن ماتَ رأى الحقَّ، ومن لم يمُتْ لا يحظى منها بنظرةٍ"⁽¹⁶⁾. إنها عقيدةُ "فناءِ حظوظِ النفسِ"، فمن ظلتْ نفسهُ حيةً بشهواتها ورعوناتها، حُجبتْ عن مشاهدةِ أنوارِ اليقينِ.

ولما استشهدَ سعدٌ وأوصى الأمةَ قائلاً: "لا خيرَ فيكم وفيكم عينٌ تطرِفُ، إن يُخلَصَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ"⁽¹⁰⁾، كان يُرسخُ عقيدةَ الدفاعِ عن جَنابِ النبوةِ بكلِّ ما أوتينا من قوةٍ وبيانٍ، سواءٌ بالسيفِ في ميدانِ المعركةِ، أو بالشعرِ والمديحِ في ميادينِ القلوبِ.

أما سيدنا عمرو بنُ الجموحِ (ت: ٣ هـ)⁽¹⁷⁾ رضي الله عنه، فقد أرسى عقيدةَ "صدقِ اللجوءِ إلى اللهِ وإبرارِ القَسَمِ". حينما عُذِرَ لعرجتِهِ، أبى إلا أن يطأَ الجنةَ بها. فقال النبيُّ : «إنَّ من عبادِ اللهِ مَن لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ، وإنَّ عمرو بنَ الجموحِ ممن أقسمَ على اللهِ فأبرَّهُ، وإني واللهِ أراهُ الآنَ يطأُ بعرجتِهِ الجنةَ»⁽¹⁸⁾. إنَّ رؤيةَ النبيِّ لعمرو وهو يطأُ الجنةَ هي عقيدةٌ ثابتةٌ في انكشافِ حُجبِ الغيبِ لرسولِ اللهِ بإذنِ ربِّه، وتأكيدٌ على أنَّ الجنةَ دارٌ حقيقيةٌ تتسعُ للمُوقنين الصادقين المتجردين من حظوظِ الدنيا.

عقيدةُ رؤيةِ اللهِ وتكليمهِ كفاحاً

نصلُ يا ولدي إلى ذروةِ المعاني العقديةِ، ألا وهي عقيدةُ أهلِ السنةِ والجماعةِ في "رؤيةِ اللهِ تعالى وتكليمهِ لعبادِهِ في الآخرةِ". لقد رفعَ سيدنا عبدُ اللهِ بنُ حَرامٍ (ت: ٣ هـ)⁽¹⁹⁾ رضي الله عنه يديهِ وسألَ اللهَ أن يُبقرَ بطنهُ ويُجدعَ أنفهُ في سبيلهِ⁽²⁰⁾. فلما رآهُ ابنهُ جابرٌ رضي الله عنه بعد المعركةِ مُشَوَّهاً، سألَ النبيَّ عن حالِ أبيهِ.

هُنا أطلقَ النبيُّ بشارةً عقديةً تنسفُ كلَّ شكٍّ: «إنَّ اللهَ لم يُكلِّمْ أحداً قطُّ إلا من وراءِ حجابٍ، وإنَّ اللهَ كلَّمَ أباكَ كفاحاً»⁽²¹⁾. و"كفاحاً" تعني مواجهةً بلا واسطةٍ ولا حجاب. قال لهُ الربُّ جلَّ جلاله: «تَمَنَّ عَلَيَّ يا عَبدي»⁽²²⁾.

هذه الحادثةُ تُثبتُ عقيدةَ الرؤيةِ والتكليمِ التي حاولَ بعضُ المبتدعةِ نفيها. وماذا تمنى عبدُ اللهِ بنُ حَرام؟ تمنى أن يعودَ إلى الدنيا ليُقتلَ فيها ثانيةً! ليس بحثاً عن ألمِ القتلِ، بل شوقاً لتكرارِ لحظةِ الخطابِ الإلهيِّ. لقد أدركَ أنَّ أعظمَ نعيمٍ في العقيدةِ ليس هو القصورَ أو الأنهارَ، بل هو "لذةُ النظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ ومؤانستهِ".

ولذلك شطحَ العارفُ باللهِ أبو يزيدَ البَسطاميِّ (ت: ٢٦١ هـ)⁽²³⁾ مُعبراً عن هذه العقيدةِ ذوقياً فقال: "لئن ناداني يومَ القيامةِ: يا أبا اليزيدِ، سأسكرُ منها سكرةً تُغيبني عن يومِ الوعيدِ..."⁽²⁴⁾. إنها سكرةُ التجلي الإلهيِّ.

ولكنَّ العقيدةَ الربانيةَ حسمتِ الأمرَ بسنةٍ لا تتبدل: «إني حَكَمْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ»⁽²٥⁾. ثم أنزلَ اللهُ تعالى آياتٍ تُصححُ مفاهيمَ البشرِ عن الموتِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾⁽²⁶⁾.
واعلم يا ولدي يقيناً أنَّ قوله ﴿يُرْزَقُونَ﴾ هُنا لا يقتصرُ على الرزقِ الحِسيِّ من مأكلٍ ومشربٍ كما تتوهمُ العقولُ القاصرةُ، بل هو الرزقُ الأسمى: رزقُ المعارفِ، وثمراتُ التقريبِ، وفواكهُ المُحادثةِ، ولوائحُ الجمالِ، وكواشفُ الجلالِ الإلهيِّ. هذا هو النعيمُ الحقُّ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾⁽²⁷⁾؛ والمزيدُ هو النظرُ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ الذي هو غايةُ عقيدةِ المُوحدين.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 12 دقيقة