Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الأرزاق والتحصين الإلهي: كيف يحمي التوحيد بيتك من الفقر والهم؟

في هذا المقال العقائدي العميق، يغوص بنا الدكتور جابر بغدادي في أسرار توحيد الأفعال والإيمان بالقدر، موضحاً كيف أن الصلاة والتفويض الخالص لله هما السبيل الأوحد لجلب الأرزاق ودفع كيد السحرة والظالمين، مع تصحيح المفاهيم حول حقيقة التوكل والاعتماد على مسبب الأسباب في دفع نوائب الدهر.

عقيدة الرزق واليقين في كفاية الله
يا ولدي، إن من أصول العقيدة الراسخة أن نعتقد يقيناً أن الله جل جلاله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الأرزاق بيده وحده، يقسمها بين عباده بحكمة بالغة.
فالبيوت التي لا تُقام فيها الصلاة، حريٌّ بها ألا تشتكي من ضيق الرزق وعضات الفقر؛ لأنها تخلفت عن السبب الأعظم في استجلاب العطاء الإلهي.
فانهض يا ولدي، أنت وأهل بيتك، وقوموا في جوف الليل، وصلوا عند تنفس الفجر؛ لتروا كيف تتنزل الأرزاق عليكم مدراراً.
استمطروا أرزاق الله جل في علاه بإقامة الصلاة، وتأملوا بعين البصيرة والتوحيد قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾⁽¹⁾.
فكأن لسان الحال الإلهي يقرر قاعدة عقدية كبرى: إنا قد سألناك العبادة، ووعدناك نحن بالرزق.
وهنا وجب التنبيه؛ لكي لا يظن ظانٌّ أن هذا المعنى يدعو إلى العقيدة الجبرية أو ترك الأسباب الدنيوية، حاشا لله؛ بل إن الأخذ بالأسباب الدنيوية من السعي والعمل هو من تمام العقل، ولكن الاعتماد بالقلب على هذه الأسباب دون الله هو شرك خفي وخدش في التوحيد.
فالمطلوب هو السعي بالجوارح، مع يقين القلب بأن الصلاة والعبادة هما مفتاحا البركة، وأن الرزق مكفول بوعدٍ إلهي لا يُخلف.
عقيدة الحفظ الرباني ورد كيد المعتدين
ويا ولدي، تلك البيوت التي يرتجف أهلها خوفاً من غدٍ مجهول، حيث يسكنهم القلق، ويخشون بطش عدو، أو قهر ظالم، أو مكر ساحر، أو كيد فاسق ومارق؛ أقول لكم: اتقوا الله، وجددوا عقيدتكم في "توحيد الأفعال".
فالله وحده هو الضار والنافع، ولا يقع في ملكه إلا ما أراد.
لندع عنا غيبة الناس والنميمة، ولنطهر ألسنتنا، ولنراجع لقمة عيشنا حتى تكون من حلالٍ بيّن؛ وذلك لكي لا يسلط الله علينا بذنوبنا من لا يخافه فينا ولا يرحمنا.
وهنا يبرز تساؤل عقدي جوهري لطالما غفلنا عنه: بالله عليك يا ولدي، كيف للساحر أن يصل إلى عقر دارك؟ ومن أين تسلل الظالم إلى بيتك؟ وكيف ليد الظالم أن تطول عبداً لا يزال في كنف الله وحفظه؟ كيف يحدث هذا والله هو الحفيظ؟ الجواب العقدي القاطع: لا بد وأن العبد قد أعرض عن مولاه.
نعم، إنما دخل الأذى من تلك النافذة التي فتحتها أنت بيدك على الحرام! لأنك متى أعرضت وعصيت، نُزعت عنك خلعة القبول، ودرع التحصين، وفقدت حماية قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾⁽²⁾.
فالعصيان يسلبك الحماية، وحينها تُترك لنفسك ولشياطين الإنس والجن، ليس لأنهم يملكون قوة ذاتية خارجة عن إرادة الله، بل لأن الله -بعدلك- قد خلى بينك وبينهم عقوبةً لك على جراءتك.
حقيقة تفويض الأمر لله ومفهوم الحسبنة
ولك أن تعاود التساؤل يا ولدي لتعضيد المعنى: كيف وصل الأذى إذن إلى ساحتي وأنا أقول الكلمات؟ لقد وصل لأننا أفرغنا عقيدة التفويض من مضمونها، وهجرنا التدرع بكلمة "حسبنا الله ونعم الوكيل" على وجهها الصحيح.
صرنا نلوكه بألسنتنا لندعو بها على بعضنا البعض، ولم نعد نلهج بها في خلواتنا لنحتمي بظلها من خطر أنفسنا على أنفسنا.
إن التوكل الحقيقي هو تفويض الأمر لله بيقين جازم.
تأمل يا ولدي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾⁽³⁾؛ هل تراهم ازدادوا صلاة، أم صوماً، أم ماذا فعلوا في تلك اللحظة الفارقة؟ لقد قال الحق: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾⁽³⁾.
نعم، زادهم عقيدةً وتوحيداً، وقالوا بقلوبٍ موقنة: "حسبنا الله ونعم الوكيل".
فكانت النتيجة الحتمية لهذا الإيمان أنهم ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾⁽³⁾.
ولاحظ يا ولدي دقة اللفظ القرآني وإعجازه العقدي والبياني؛ فقد قال: "لَمْ يَمْسَسْهُمْ"، ولم يقل "لم يمسهم"؛ زاد حرف السين هاهنا، والقاعدة أن زيادة الحرف زيادة في إبلاغ الوصف.
فكلمة "يَمْسَسْ" تذهب بعيداً لتقرر حقيقة عقدية وهي نفي مجرد الاقتراب أو التأثير؛ فلا سوء معنوي ولا مادي، ولا أذى ظاهر ولا باطن قد نال منهم، لأنهم اعتصموا بمن بيده ملكوت كل شيء.
عقيدة القضاء والقدر والتسليم للإرادة الإلهية
فلمَ لا نسلك هذا الدرب يا ولدي؟ لمَ لا نخاف ربنا، ونكف عن أكل الحرام، وندع الجرأة على معاصيه، ونُقْبل بقلوبنا وعقيدتنا على الله جل جلاله؟ حينها، أُشهدك أنه لن يجرؤ أحد على التعدي علينا أبداً.
ولنقم في جوف الليل نناجيه بالصلاة، فكما أسلفنا: لقد سألناك العبادة ووعدناك الرزق.
وتأمل ما ورد في الأثر القدسي الجليل، الذي يرسخ لعقيدة الرضا بالقضاء والقدر، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: «فإن خالفتني فيما أريد، لم أخالفك فيما تريد، ولكن وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا..»⁽⁴⁾.
ومعنى هذا يا ولدي في ميزان العقيدة: أنك إن أعرضت عن مراد الله، سلط الله عليك شتات الأمر؛ فتكون رجلاً يسلط الله عليه زوجة في البيت لا تشبع، وولداً لا يقنع، فتظل تعمل وتكدح، وترتع في الدنيا رتع الوحوش في البرية، ولا يكون لك منها في النهاية إلا ما أراده الله لك وقدره في سابق علمه.
نعم، ستأخذ رزقك المكتوب كاملاً لا ينقص منه شيء، ولكنه لن يكفيك ولن يسد جوعتك؛ لأنك ببساطة لم تقم بما يجلب البركة، وظننت بجهلك أن سعيك هو الرزاق، فنزع الله البركة من رزقك تأديباً لقلبك المنصرف عنه.
بناء الأجيال على التوحيد والتحصين الروحاني
لذا يا ولدي، عد إلى قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾⁽¹⁾؛ أي لا يتسربنّ اليأس إلى قلبك من أمر دعوتهم ومصابرتهم عليها.
ولماذا هذا الإلحاح؟ لأنها باب عظيم من أبواب البركة، وسرٌّ كبير من أسرار السعادات الحياتية التي نرجوها لأبنائنا، حين نعلمهم حقيقة العبودية الخالصة لله.
وصدقني يا ولدي، إن السجود لله وحده سيغمرهم بالسعادة الحقيقية، وإن الركوع له سيبعدهم عن كل شر، وإن قراءة القرآن الكريم ستعدهم بكل خير، وتطرد عنهم شياطين الإنس والجن، وتدفع عنهم كل المخاطر التي تحيك بهم بقوة التوحيد والاعتصام بالوحي.
فخذوا يا أبنائي بأيدي عيالكم إلى حوض الوضوء، وعلموهم كيف يتطهرون ويقفون بين يدي مليكهم؛ لكي تضمنوا أنه بعد انقضاء الآجال، ومفارقة هذه الدار، تكونوا قد غرستم في أرض الحياة نبتةً طيبة موحدة، وتركتم «ولدا صالحا يدعوا لك»⁽⁵⁾، فيصلكم مدد توحيدهم ودعائهم وأنتم في قبوركم.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5 دقائق