Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الفضل وتجريد التوحيد: كفاك جنوناً وفتوناً وتسبيحاً بحمد نفسك

مقال عقائدي بليغ للشيخ جابر البغدادي، يغوص في أعماق توحيد الأفعال، موضحاً عقيدة أهل السنة والجماعة في نسبة الفضل لله وحده، ومحذراً من الشرك الخفي والغرور بالعمل، مع بيان التوازن الدقيق بين الأخذ بالأسباب والاعتماد المطلق على رحمة رب الأرباب.

عقيدة الفضل المطلق: الاستقامة بين توحيد الأفعال ورعونة النفس

ما هي آفات الاستقامة في ميزان العقيدة يا ولدي؟ إنها لا تقتصر على مجرد الغرور والعُجْب الظاهر فحسب، بل تمتد لما هو أعمق من ذلك بكثير في باب التوحيد؛ إنها آفة التقييم، أن تُنَصِّبَ نفسك مقيِّماً لحالك، غافلاً عن أن المردَّ كله لله، وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء.

ولذلك، ومن منطلق توحيد الأفعال، قلتُ لك إن الاستقامة تقوم على ثلاثة أركان ومحاور جلية لا يستقيم إيمان السالك إلا بها: أن تستقيم على طاعة الله مستمداً العون منه، وأن تُقوِّم نفسك من رعونة معصية الله معترفاً بافتقارك، وألَّا تُقَيِّمَ نفسك لا في طاعةٍ ولا في معصية، مُسلِّماً الأمر لصاحب الأمر. فقد قال الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل، واعداً أهل الثبات بفيض فضله لا بمجرد كسبهم: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا⁽¹⁾.

فكيف تستقيم يا ولدي على الطريقة؟ والطريقة هنا هي الإسلام، هي الشرع الحنيف والدين القويم. يكون ذلك بأن أُقوِّمَ نفسي من رعونة البشرية، وأن أُقيمَها على قدم العبودية لله، وألَّا أُقيِّمَ نفسي قط، متبرئاً من حولي وقوتي إلى حول الله وقوته. فالسر كله يكمن في قاعدة جامعة: قيام، وتقويم، بلا تقييم.

لا تقل على نفسك "شيخٌ" ومُقَرَّب، فتغتر وتنسى المُنعم، ولا تقل على نفسك أنك سيئ هالك، فتقنط من رحمة الله الواسعة. هل فهمت مقصدي يا ولدي؟ فإن قلتَ: إنني أرى نفسي سيئاً ومُقصراً؟ أقول لك: هذا إحساسٌ جميل يُعبر عن انكسار القلب، فاجعله حادياً يسوقك إلى الطاعة، لكن إذا قادك هذا الشعور إلى اليأس والإحباط، فاعلم يقيناً أن هذا من نزغ الشيطان ليقدح في عقيدتك برحمة الله. فلِمَ تُضَيِّقُ ما اتسع، ولا تُوَسِّع دائرة الرحمة الإلهية التي سبقت الغضب؟

ميزان الرحمة والعدل: العبادة ليست ثمناً للجنة

وهنا نأتي إلى أصلٍ عظيم من أصول العقيدة؛ يُروى في الأثر عن سلفنا الصالح أنه قام رجلٌ يُصلّي، وظل طوال الليل يُقيم الليل ويناجي ربه قائلاً: "اللهم اغفر لي"، ثم نام غيره. فهُتِفَ بالنائم في منامه فقيل له: إن الله قد غفر لمن قام ومن نام. فتعجب وقال: يا رب، من قام فقد عرفنا سبب المغفرة له، فبِماذا غفرت لمن نام؟ فجاءه الرد الإلهي العظيم: "لما ناموا ذكروا جمالي، والذين قاموا ذكروا جلالي، وقد حان وصالي لأهل جمالي وجلالي"⁽²⁾.

فالذي نام والذي قام، ما شأنك أنت بهما في ميزان التقييم؟ هذا نام طمعاً في جمال الله، طمعاً في رحمته وعفوه الواسع، نام وهو يعقد النية على مطالعة الجمال الإلهي معتقداً أن النجاة بالفضل لا بالعمل، وذاك قام يظن أن العبادة وحدها هي التي ستُدخله الجنة، مُعتمداً على كسبه. فهذا غفرنا له، وهذا غفرنا له، ليعلم من قام أن الله هو ربٌّ لمن قام، وربٌّ لمن نام.

وهنا تدبير احترازي وتنبيه عقائدي بالغ الأهمية يا ولدي؛ إياك أن تفهم من هذا السياق أن تترك العمل الصالح والفرائض متكئاً على سعة الرحمة، فهذه عقيدة الجبرية المذمومة! إنما المقصود هنا أن هذا النائم قد أدى فرائضه، ونام مُفتقراً لربه متوكلاً على رحمته، بينما القائم قد تسرّب إليه الاعتماد على عمله ورؤية نفسه. فالعقيدة الصحيحة تُحتم علينا الأخذ بالأسباب التزاماً بالأمر، والتوكل على الله بالقلب تجريداً للتوحيد، مصداقاً لقوله : «لن يدخل أحدا عمله الجنة»⁽³⁾.

فإياك أن تُقيِّم يا ولدي، ولا تُضيِّع نفسك بميزان التقييم الموهوم. فالاستقامة لا تَحِقُّ ولا تكتمل إلا لمن اتصف بشروطها الثلاثة: قيامٌ بوظائف العبودية، وتقويمٌ لرعونات البشرية، والثالثة ألَّا يكون هناك تقييم ومزاحمة لحكم الله.

الإلهام الإلهي: حقيقة التوبة وعقيدة الشكر

ثم يأتيني من يتساءل بفضولٍ واستعجال: يا شيخ، في أي مقامٍ أنا الآن؟ ويحك يا ولدي! وهل نحن نعبد الله عز وجل من أجل أن نَنال المقامات حظاً لأنفسنا؟! إن كنتم نسيتم ما جرى، فهلمّوا نقلب صحائف الأيام لتقرأوها! تعبد الله ثلاثة أيام، ثم تطلب مقاماً!!! وما المقام الذي ترتجيه وتظن أنك صانعه؟

إن المقام الحقيقي في عقيدة أهل السنة هو مقام الشكر، مقام الرضا، ومقام الحب. أن سمح لك الحق جل جلاله وأعطاك مسبحةً تسبحه بها، وبسط لك سجادةً تُصلي عليها، ووهبك جلسةً تقعد فيها بين يديه؛ فواللهِ هذا هو أعظم مقام، وهو من محض توفيقه لا من شطارتك. وأي مقامٍ أسمى وأجل من أنك اقترفت الذنب، فألهمك هو التوبة والرجوع إليه؟ هذا هو المقام الحقيقي!!! أتريد أن تصطنع لنفسك مقاماً موهوماً ناسباً الفضل لنفسك وتنسى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾⁽⁴⁾؟

التوحيد الخالص: تنزيه العبادة عن الشرك الخفي

واعلم يا ولدي، أنه ما لم تُخْلِ مسبحتك من حبات المَنِّ والاغترار بالعمل، وما لم تُطهِّرها بحبات الاعتذار والافتقار إلى الله، فأنت لست مسبحاً بحمد الله، بل أنت مُسبِّحٌ بحمد نفسك.

وهذا هو عين الشرك الخفي الذي حذر منه النبي ؛ فهذه المسبحة التي تسبح بها، إن لم تقلل من طلباتك وحظوظك الدنيوية، وتجعلك تهدأ في سيرك إلى ربك معترفاً بالمنة، وتكسر فيك الكبر فلا تتعالى ولا ترى نفسك على عباد الله، فإنك حينها تُسبِّح بحمد ماذا؟ إنك تسبح بحمد زهو فعلك ورعونة نفسك. فاستقم كما أُمِرت، وجرِّد توحيدك، ودع عنك هذا الجنون والفتون والتسبيح بحمد نفسك، وكن عبداً خالصاً لله رب العالمين.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.