أدب التسليم وحلاوة العوض: هجرة القلب من مراد النفس إلى مراد الله
الحمد لله الذي جعل في التسليم لأمره راحة للقلوب، وفي الرضا بقضائه تفريجاً للكروب، والصلاة والسلام على إمام المتقين وسيد المتوكلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. يا ولدي، اعلم أرشدك الله لرضاه، أن طريق "علم السلوك" ليس ادعاءً باللسان، ولا شطحاً يخرج عن حدود الشرع الحنيف، بل هو عين "مقام الإحسان" الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. إن القاعدة الذهبية في منهجنا السني المعتمد، كما أسسها سيدي الإمام الجنيد البغدادي ⁽¹⁾، تنص بوضوح صارم: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
فالتصوف الحق يا ولدي هو إحياء لروح العبادات المفروضة، وتعميق للتقوى، وخروج من حظوظ "النفس الأمارة" المليئة بالاعتراض والكبر، إلى رحاب "النفس المطمئنة" التي سكنت إلى مراد مولاها.
ومن ألطف الإشارات السلوكية التي توقفنا عندها في توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي، هي معالجة آفة من أشد "أمراض القلوب" فتكاً في زماننا: آفة السخط وعدم الرضا.
يا ولدي، كم من إنسان يهلك قلبه غماً وحزناً على ما فاته، يريد أمراً فيقضي الله بغيره! تطمح لولوج كلية بعينها فيسوقك الله إلى أخرى، ترجو أن تُرزق بولدٍ ذَكَرٍ فيَهَبُكَ الله أُنثى، ترغب في أن تصير طبيباً فيُقيمك الحق في مقام الهندسة. هنا يتجلى الاختبار الحقيقي؛ هل تعبد الله على مرادك أم على مراده؟ إذا رأيت زرعك قد أنبت غير ما ظننت، فلا تجزع ولا تسخط، بل اقرأ بقلبٍ حاضر قول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ⁽²⁾.
إن "الأدب مع الله" يا ولدي له أركان أربعة لا يصح إيمان السالك إلا بها، وهي: أن تشكر النعمة، وأن تقنع بالحكمة، وأن ترضى بالقسمة، وأن تحفظ الحرمة.
الهجرة الحقيقية لا تقتصر على انتقال الأبدان، بل هي هجرة القلوب، هي الخروج من مراداتك الضيقة إلى مراد سيدك الأرحب. هذا هو "التسليم" الذي يقتضي ألا تنازع مولاك في حق الاختيار. فإذا استقريت في الصدر الذي اختاره الله لك، ورضيت به، تحول هذا الموضع الضيق إلى جنة واسعة من الرضا.
صدقني يا ولدي، إذا هاجرت إلى الله، فإن العوض هو الله. تأمل معي هذا السر البديع في كلام سيد المرسلين، حين قال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ⁽³⁾. لِمَ لَمْ يقل النبي: فله الجنة؟ السر هنا يا ولدي في غاية الجلال والجمال؛ لأنك إذا تركت حظوظ نفسك من أجل الله، فإن الله لا يحدد لك جزاءً معلوماً كالجنات والأنهار فحسب، بل يعطيك على قدره هو. يقول لك لسان الحال: أنت تركت لأجلنا، وسنكرمك على قدرنا.
تركك كان على قدر ضعف بشريتك، وعوضنا سيكون على قدر إلهيتنا. لم يعدك بالجنة ولم يؤمنك من النار كعوض مباشر، بل قال لك: "أنت حكايتك عندي". ولذا قيل: من زهد في المملكة، كان عوضه المَلِك. يا ولدي، انظر إلى واقعنا المعاصر وكيف نطبق "التزكية العملية". يعرض لك في عملك مكسب مشبوه، فترفض إمضاء ورقة تجلب لك مالاً حراماً تشتري به أفخر المراكب وتتعاظم به في عيون الخلق كبراً وحب ظهور. تترك هذا كله لله، فما هو العوض؟ العوض أن يملأ الله جيبك نوراً من اليقين، ويملأ قلبك سكينة. ترى الغافل الذي يلهث خلف الدنيا يموت مقتولاً من التفكير في الغد، بينما من امتلأ قلبه بالتسليم يعيش حياً كريماً مطمئناً. إن العبد إذا صفا قلبه، وعرف طريق المصطفى، لم يعد يحزن على مفقود، ولا يفرح بموجود فرح بطر، بل صار شعاره: "عملنا على رضاك". إياك يا ولدي أن تستمع للمتنطعين الذين جفّت قلوبهم، فرموا مجالس الذكر وحب الصالحين بالبدعة. إن محبتنا لأولياء الله وتعلّقنا بأهل الصفاء هو من صميم الشريعة، وهو زادنا في طريق "المجاهدة". الزم الصدق، واصحب الأخيار، وجاهد نفسك بالذكر الدائم، حتى تذوق حلاوة العوض الإلهي، وتتحقق بمقام الرضا، فيزيدك الله من نعيمه الذي لا ينفد. يا سلام على قلبٍ ترك هواه من أجل ربه، فاستقبلته نفحات القرب بالأنوار والأسرار.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مرادك ومراد الله: حين تضحي بهواك ليكون العوض هو المَلِك)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة التسليم والرضا بالقضاء والقدر: كيف تهاجر من هواك إلى مراد مولاك؟ – مستنبط من توجيهات د. جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه الرضا والتسليم: عندما يكون العوض هو الله (قراءة فقهية وعقدية في توجيهات د. جابر بغدادي))الشريعة
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (لما تضحي بـ «هواك» عشان «رضاه».. استعد للانبهار.)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (صراع الإرادات بين مراد العبد ومراد الرب.. كيف نرضى بالقسمة وننال العوض الإلهي؟)الأسئلة
الشيخ جابر بغدادي
