أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»
الشَّرِيعَةُ مِيزَانُ الحَقِيقَة..وَتَنْزِيهُ المِحْرَابِ عَنْ "رِشَاء العِبَادَة"
اعلمْ يا ولدي -أنارَ اللهُ بصيرتكَ وأخذَ بيدك- أنَّ مَبنى "علمِ السُّلوكِ وتزكيةِ النُّفوس" في طريقِ القَومِ يقومُ على إفرادِ الوِجهَةِ للهِ ربِّ العالَمين، وتَنقيةِ السَّرائرِ من شَوائبِ الحُظوظِ العاجلة.
وفي هذا المَقامِ التَّربويِّ الأسنى، يُحذِّرُنا ساداتُنا من أهلِ التَّحقُّق، وعلى رأسِهم سيدي الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السَّكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ، تاجُ الدِّينِ ومُقنِّنُ التَّصوفِ الشَّاذليِّ) بصيحتِهِ السُّلوكيَّةِ الخالدة: "إيَّاكُمْ وأخْذَ الرِّشاءِ علَى العِبادَةِ"⁽¹⁾.
وتأمَّلْ معي يا بُنيَّ في هذا التَّشخيصِ الدَّقيق؛ فما هيَ الرِّشوَةُ في المِحراب؟ إنَّها أنْ تَدخلَ إلى الصَّلاةِ، أو تَجلسَ في حِلَقِ الذِّكرِ، وقَلبُكَ لا يَطلبُ "المَعبودَ"، بل يَطلبُ "العِوَضَ"؛ تُصلِّي لِيَزيدَ رِزقُك، وتَتصدَّقَ لِتَنجحَ تِجارتُك، وتَبكي في الدُّعاءِ لِيَنكشفَ عنكَ مَرضُك! فإذا ما نِلتَ سُؤلَكَ، وانقضَتْ حاجتُكَ المادِّيَّة، انطفأتْ جَذوَةُ قَلبِك، وهَجرتَ سَجَّادتَك، مُحقِّقًا في نَفسِكَ قولَ الحقِّ تباركَ وتعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾⁽²⁾.
وهنا نَضعُ نُصبَ أعيُنِنا القاعدةَ الذَّهبيَّةَ الحَاكمةَ لِمَنهجِ "التَّصوفِ السُّنِّيِّ المعتمد"، التي أرساها سيدي الإمامُ الجنيدُ البغداديُّ (ت: ٢٩٧ هـ، سيدُ الطَّائفةِ وإمامُ السَّالكين)⁽³⁾ قائلًا: "كُلُّ حَقيقَةٍ لا تَشْهَدُ لها الشَّريعَةُ بالصِّحَّةِ فَهيَ زَنْدَقَةٌ".
فإيَّاكَ يا ولدي أنْ تَتوهَّمَ يومًا أنَّ التَّرقِّيَ في مَقاماتِ الباطنِ يُسقِطُ عنكَ ذَرَّةً منَ التَّكاليفِ الظَّاهرة، بلِ "الزُّهْدُ" الحقُّ، و"التَّوكُّلُ" الصَّادقُ، هُما إحياءٌ لِرُوحِ الفَريضة، وتَعميقٌ لِذُلِّ العُبوديَّةِ للهِ وَحدَه.
تَشْخِيصُ الدَّاءِ الأَكْبَر..احْذَرْ يَا وَلَدِي أَنْ تَكُونَ "عَبْدَ الفَرَج"
ومن هُنا، يطرحُ فضيلةُ الدكتور جابر بغدادي مَوعظتَهُ الكاشفةَ لِعَوْراتِ النُّفوس، مُوجِّهًا خِطابَهُ إلى سِرِّكَ الدَّفين: يا عبدي، أينَ صُراخُكَ وتضرُّعُكَ في جَنَباتِ المسجدِ حينَ كُنتَ في المَضيق؟ أفلَمَّا فُرِّجَتْ عنكَ ولَّيتَ وأدبرتَ؟ الله! إنْ كُنتَ كذلكَ، فأنتَ إذًا "عبدُ الفَرَجِ"، ولستَ "عبدَ اللهِ".
إنَّ هذا التَّساؤلَ يا ولدي ليسَ مُجرَّدَ عِتاب، بل هوَ مِشرطُ جَرَّاحٍ يَستأصلُ دَاءَ "الغَفْلَةِ" و"العُجْبِ الخَفيِّ" من قَلبِ السَّالك.
فالنَّفسُ البَشريَّةُ في مَرحلتِها الأُولى تَكونُ "نَفْسًا أمَّارَةً بالسُّوء"؛ تَعبُدُ اللهَ على حَرْفٍ، وتُعامِلُهُ مُعامَلةَ التُّجَّار.فإذا دَخلتْ في مَيدانِ "المُجاهَدَة"، تَحوَّلتْ إلى "نَفْسٍ لَوَّامَة"؛ تَتأرجحُ بَينَ الإقبالِ حالَ الانكسار، والفُتورِ حالَ الاستغناء.
ولا يَكملُ سُلوكُ المُريدِ حتَّى يَرسخَ في مَقامِ "النَّفسِ المُطْمَئِنَّة"، التي يَستوي عِندَها المَنْعُ والعَطاء، لأنَّها مَشغولَةٌ بِمُشاهدَةِ جَمالِ المُنعِمِ عنِ الالتفاتِ إلى النِّعمَة.
ولَئِنْ رَمانا أهلُ الجَفوةِ والتَّنطُّعِ بالبِدعةِ حينَ نَدعو إلى "الذِّكْرِ الجَماعيِّ"، أو نَلتمسُ "الصُّحبةَ الصَّالحةَ" ومَجالسَ الصَّلاةِ على الحبيبِ ﷺ؛ فإنَّنا نَرُدُّ عليهم بِيَقينِ العُلماءِ الوَارثين: إنَّ هذهِ المَجالسَ هيَ "مِصْحَاةُ القُلوبِ" التي تُذيبُ قَسْوَةَ هذهِ التِّجارةِ المادِّيَّةِ معَ الله! وهيَ التَّطبيقُ العَمَليُّ لِـ "مَقامِ الإحسانِ" كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ⁽⁴⁾ في قولِهِ ﷺ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»؛ فكيفَ يَصلُ العبدُ إلى "المُشاهدَةِ" وهوَ مَأْسُورٌ في زَنْزانَةِ حَظِّهِ الدُّنيويّ؟
المِرْآةُ المُحَمَّدِيَّةُ الكَامِلَة..سِرُّ مَقَامِ "أَفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً"
ولِكَيْ تَرتويَ يا بُنيَّ من نَميرِ التَّوحيدِ الصَّافي، تَعالَ نَقِفْ بأدبٍ على عَتَبَةِ الحُجُراتِ النَّبويَّة؛ حيثُ أُمُّنا السيدةُ عائشةُ (ت: ٥٨ هـ، أفقهُ نساءِ الأمَّةِ وأحبُّ أزواجِ النَّبيِّ إليه)⁽⁵⁾ تَنقلُ لنا أَعظَمَ مَشهدٍ في تاريخِ التَّزكية: رسولُ اللهِ ﷺ يَقومُ الليلَ في مِحرابِهِ حتَّى تَتَفَطَّرَ وتَتورَّمَ قَدَماهُ الشَّريفتان، فتُشفقُ عليهِ بِمَنطقِ العقلِ الظَّاهرِ القائل: «يا رَسولَ اللَّهِ، أتَصْنَعُ هذا، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟».
فَيُجيبُها سِراجُ الأرواحِ ﷺ بكلمةٍ هيَ "تَاجُ مَقاماتِ السُّلوك" كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ⁽⁶⁾: «يا عائِشَةُ، أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
تأمَّلْ يا ولدي هذا السِّرَّ العَجيب! لقدِ أَمِنَ ﷺ منَ العِقابِ بالمَغفرةِ المُسبَقَة، وضَمنَ المَقامَ المَحمود؛ فَلِماذا يَستمرُّ في تَحمُّلِ هذا الأَلَمِ البَدنيِّ المُمِضّ؟ لأنَّهُ يَتعبَّدُ بـ "عُبوديَّةِ الأحرارِ"؛ عُبوديَّةِ الشُّكرِ المَحضِ لِذاتِ الله.
ويُوصينا الدكتور جابر أنْ نَأخذَ هذهِ الجُملَةَ النَّبويَّةَ (أفلا أكونُ عبدًا شكورًا)، فَنَجعَلَها مِرآةً باطنيَّةً نَعكِسُ عليها سائرَ أحوالِنا، لِنَعيشَ بها خِلالَ أيَّامِنا المُقبلةِ؛ نَزِنُ بها صَمتَنا ونُطقَنا، ونَختبرُ بها إخلاصَنا.
خَلْوَةُ المُرِيدِ فِي زَوَايَا البُيُوت..تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى الشُّكْرِ العَمَلِيّ
والتَّزكيةُ يا ولدي ليستْ كَلامًا يُنثرُ في الهَواء، بل هيَ "حَالٌ وعَمَلٌ" يَصحبُكَ إلى عُقرِ دارِك.فَيَقولُ لكَ الشَّيخُ مُرشدًا: هَلُمَّ بنا نُذاكِرُ هذا الدَّرسَ في خَلواتِ بُيوتِنا؛ فإذا ما وَقفتَ أمامَ دُولابِ ثيابِكَ ورأيتَ سِتْرَ اللهِ عليك، فاكتُبْ عليهِ بمدادِ قَلبِكَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟"، وإذا ما فتحتَ بابَ ثَلَّاجَةِ طعامِكَ ورأيتَ فَضلَهُ مَبسوطًا، فاستحضرْ في سِرِّكَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟"، بل وإذا ما طالعتَ خِزانةَ شَهاداتِكَ العِلميَّةِ ومَناصبِكَ الدُّنيويَّة، فاهتِفْ بروحِكَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟".
إنَّ هذا التَّمرينَ السُّلوكيَّ يَقضي على مَرضِ "الكِبْرِ" و"الرِّياء"؛ لأنَّهُ يَسلخُكَ من شِعارِ قارونَ المَشئوم: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، ويَرُدُّ الفَضلَ كُلَّهُ للمُتفضِّلِ الأوَّلِ سبحانَه.
كَمَالُ التَّجْرِيدِ وَعِصْمَةُ الافْتِقَار..مَفَاتِيحُ الأَرْضِ وَدِرْعُ الشَّعِير
ويَصلُ الدكتور جابر في خِتامِ مَوعظتِهِ إلى ذِروَةِ التَّأصيلِ السُّلوكيّ، مُستخرجًا من كَنزِ السِّيرةِ النَّبويَّةِ مُفارَقَةً تَصدَعُ قَسوَةَ القُلوب؛ لِيُثبتَ لكَ يا ولدي أنَّ "الفقرَ والغِنى" في طريقِ اللهِ مَقاماتٌ قَلبيَّةٌ وليستْ مَظاهرَ مَاديَّة.
فهذا النَّبيُّ الأكرمُ ﷺ الذي يَقِفُ حتَّى تَتورَّمَ قَدَماهُ شُكرًا، هوَ عينُهُ الذي أسلمَ رُوحَهُ الطَّاهرةَ إلى رَفيقِها الأعلى كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ⁽⁷⁾ ودِرعُهُ مَرهونةٌ مَحبوسَةٌ عندَ يَهوديٍّ في ثَلاثينَ صاعًا من شَعيرٍ اشتراها طَعامًا لِأهلِ بيتِه! وهوَ في ذاتِ اللَّحظةِ، وبِيَقينِ العِصمَةِ، القائلُ عن نفسِهِ كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ⁽⁸⁾: «أُوتِيتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأرْضِ»! فكانَ يَقبِضُ على خَزائنِ الكَون، ويَطوي مَفاتيحَها في يَدِه، ثُمَّ يَختارُ لِنَفسِهِ "الزُّهْدَ التَّجريديَّ" افتقارًا إلى مولاه!
هذا النَّبيُّ الشَّكورُ هوَ عينُهُ الذي كانَ يَقفُ في مِحرابِهِ يُصلِّي كما أخرجه الإمام الترمذي في شمائله ⁽⁹⁾ والحَجَرُ مَعصوبٌ مَربوطٌ على بَطنِهِ الشَّريفةِ لِيَكبحَ صُراخَ أمعائِهِ من أَلَمِ المَخْمَصَةِ والجوع! وهوَ عينُهُ الذي يَطرُقُ بابَهُ الضَّيفُ، فَيَبعثُ إلى حُجُراتِ أزواجِهِ كُلِّهِنَّ يَلتمسُ لُقمَةً يُقريهِ بها، فَتأتيهِ الإجابةُ التي تُطأطئُ لَها رُءوسُ العالَمين كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ⁽¹⁰⁾: «ما مَعَنا إلَّا الماءُ»!
لماذا أجرى اللهُ على حبيبِهِ ومُصطفاهُ هذا القَدَرَ المَظهريَّ القاسي؟ لِيَطبعَ في سِرِّكَ يا ولدي حَقيقةً سُلوكيَّةً أبديَّة: أنَّ سَعَةَ الدُّنيا لَيسَتْ دَليلًا على الرِّضا، وأنَّ ضِيقَ الدُّنيا لَيسَ دَليلًا على السَّخَط.فَلَو كانتِ المَادَّةُ مِيارًا لِلقُربِ منَ الله، لَكانَ مُلوكُ الأكاسرَةِ أقربَ إليهِ من سَيِّدِ وُلدِ آدمَ ﷺ! ولكنَّ الغِنى الحقيقيَّ هوَ "غِنى القَلبِ بالله".
فَتأدَّبوا يا أولادي معَ النِّعمِ، واشْكُروا المُنعمَ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، حتَّى لا تَزول.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (تأدبوا مع النعم حتى لا تزول.. حقيقة العبودية بين «عبد الفرج» ومقام «العبد الشكور»)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (توحيد القصد وحقيقة العبودية.. قراءة عقدية في تحذير الدكتور جابر بغدادي من مقام «عبد الفرج»)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)الشريعة
- يمكنك مراجعة الأحكام الشرعية الواردة في هذا الفيديو من هنا (فقه العبادات وأسرار النيات.. تأصيل شرعي في تحذير الدكتور جابر بغدادي من «أخذ الرشاء على العبادة»)الشريعة
وقت القراءة 7 دقائق
