Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

أسرار التزكية في سورة الملك: رحلة الروح من سجن الغفلة إلى فضاء اليقين

يقدم الدكتور جابر بغدادي إشراقات سلوكية عميقة من سورة الملك، ترشد السالك لتزكية نفسه وعلاج أمراض القلوب كالتعلق بالأغيار، مبيناً كيف يترقى المؤمن في مقامات اليقين والتوكل، لينجو من عذاب القبر ويعيش قرير العين في رحاب الرضا والمشاهدة الإلهية.

أتقرأ يا ولدي سورة الملك ، أم أنك لا تزال في غيابة الغفلة مشغولاً بوهم المُلك الفاني؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾⁽¹⁾...هل توقفت يوماً بقلب حاضر لتتأمل هذا الاستهلال الرباني المهيب؟ إنما بدأ الحق جل جلاله خطابه في هذه السورة العظيمة بهذا النداء، ليوقظ فيك "مقام الإحسان"، وليعلمك أولى خطوات الطريق إليه سبحانه؛ ألا تتشغل روحك بالأسباب وتنسى مسببها.
فكل هذه المملكة التي تعيش في كنفها، وتظن أن للخلق فيها حولاً أو طولاً، هي يقيناً في يد الملك وحده لا شريك له.مجاهدة النفس وعلاج مرض التعلق بالأغيار اعلم يا بني أن من أشد أمراض القلوب فتكاً بصاحبها، هو مرض "التعلق بالخلق" ونسيان الخالق.
حين تقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، فهل يعقل أن تعتقد بعد ذلك أن أحداً من العبيد يملك لك ضراً أو نفعاً؟ فلماذا إذن تتعلق بالناس، وتُريق ماء وجهك أمام أبوابهم، وتضيع أوقاتك وأنفاسك التي هي رأس مالك في استجداء الخلق؟ إن العقيدة السليمة والتزكية الحقيقية توجب على السالك أن يرى الأشياء كلها مسخرة بقبضة مالكها.
وهنا يا ولدي أقف بك موقفاً شرعياً لا محيد عنه؛ فالتصوف السني المعتدل الذي أسسه الأعلام كـ (سيدي الإمام الجنيد البغدادي ت: ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين)⁽²⁾، يقوم على قاعدة ذهبية: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
فإياك أن تظن أن دعوتنا لترك التعلق بالأسباب تعني سقوط التكليف أو ترك السعي والعمل؛ بل إن الأخذ بالأسباب هو طاعة محضة للجوارح امتثالاً لأمر الله، بينما تفريغ القلب من الركون إليها هو عين التوكل والعبودية.
فالأسباب مطية نركبها بأبداننا، لكن قلوبنا لا تركع إلا لرب الأسباب.
مقام اليقين والشفاء من داء الشك والقنوط وقد يوسوس لك الشيطان في ظلمة ليلك، وتحدثك "النفس الأمارة بالسوء" قائلة: "نعم، أؤمن أن المُلك بيده، ولكنه قد لا يمنحني ما أطلبه لقصوري أو لتعقد الأسباب الدنيوية!"، فيأتيك الرد الإلهي القاطع لدابر الشك والمورث لليقين: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾⁽³⁾.
فهو سبحانه الخبير بضعفك وانكسارك، القدير على جبر كسرك وإجابة دعائك.
إن إدراك هذه الحقيقة يقتلع من القلب أمراض الكبر والعُجب وحب الظهور؛ فإذا أيقنت أن الله على كل شيء قدير، صغر في عينيك كل كبير سوى الله، وعلمت أن نجاتك ليست بعملك بل بفضله وقدرته.
الترقي في مراتب الرضا ومواجهة الابتلاء ثم يتجلى الحق سبحانه ليبرز أعظم مظاهر قهره، وليختبر مدى صدقك في السير إليه، قائلاً: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾⁽⁴⁾.
تأمل يا ولدي كيف يصف الواحد منا أشد لحظات كربه قائلاً: "لقد كنت أصارع بين الموت والحياة".
فإذا كانت أصعب الأشياء وأشدها رهبة على النفس البشرية هما الموت والحياة، فإن الله عز وجل يقرر لك أنه هو المتفرد بخلقهما والمسيطر على زمامهما.
إن هذا الفهم العميق يورث في قلبك "مقام الرضا"؛ فإذا أيقنت أن أقصى ما تخافه (الموت) هو خاضع لربك، وجب عليك أن تطمئن وتجعل وجهتك وروحك مع الملك الحق، فتترقى بذلك من اضطراب "النفس اللوامة" إلى سكون "النفس المطمئنة"، التي تتلقى الابتلاء بالصبر، والنعمة بالشكر، وتسلم قيادها بالكلية لله رب العالمين.
أسرار النجاة والانتقال من دولة الدنيا إلى دائرة البرزخ ولعلك تتساءل يا ولدي بشوق المحبين: كيف لسورة الملك أن تنجيني من عذاب القبر وتؤنس وحشتي؟⁽⁵⁾ إن قراءة هذه السورة ليس مجرد تلاوة لسانية تخلو من التدبر، بل هي إحياء لروح العبادة.
إنها تعلمك وترسخ في أعماقك أن المملكة التي أنت محتاج إليها، من ثرى الأرض إلى عنان السماء، تخضع بالكامل لظل قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾⁽⁶⁾.
عندما يتشرب قلبك هذا المعنى الذوقي الرفيع، وتتحقق فيه أنوار "المحبة الإلهية"، فلن ترعبك ظلمة اللحد، ولن تأكل الأرض جسدك، ولن يتعبك القبر؛ بل سترتحل بأمان وسلام من دولة الدنيا الوهمية ومقاييسها المادية، لتلج إلى دائرة البرزخ وعالم الحقيقة، تعيش فيها قرير العين، هانئاً مطمئناً في ضيافة الرحمن، لأنك واليت الملك في الدنيا، فتولاك بلطفه ورعايته في الآخرة.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 4 دقائق