Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

إلى القلوب المتعبة من البلاء: فقه التسليم وفناء الإرادة في الله للشيخ جابر بغدادي

مقال تفصيلي يستنبط معاني الفقه والعقيدة من توجيهات الدكتور جابر بغدادي حول فقه التسليم لله، والرضا بالأقدار بين المنع والعطاء. يشرح المقال الفرق الدقيق بين الرضا القلبي وعقيدة الجبر الفاسدة، مع تسليط الضوء على فقه الأخذ بالأسباب من خلال رحلتي الهجرة والإسراء، لترسو سفينة القلب على بر الطمأنينة.

إن من أرفع مقامات الفقه في الدين، فقه القلوب وفهم مرادات الحق سبحانه وتعالى من خلقه في أطوار حياتهم وتقلبات أيامهم. وفي هذا السياق المفعم بالأنوار، يوجهنا الدكتور جابر بغدادي إلى حقيقة إيمانية كبرى، ومسألة فقهية عقدية دقيقة، وهي "فقه التسليم" لله رب العالمين. إن الدنيا في حقيقتها دار ممر واختبار، وليست دار مستقر وقرار، وكما أشار الشيخ فإن "الدنيا مش للصالحين"، أي أنها ليست دار الجزاء الأوفى لهم، بل هي ميدان ابتلائهم لترقى درجاتهم، فمن الخطأ الفقهي والعقدي أن يظن المؤمن أن الصلاح يقتضي خلو الحياة من الكدر، بل إن كثرة التساؤل والاعتراض القلبي: "ليه كده يا رب؟ وهو هنفضل في البلاء ده لحد امتى؟" ينافي كمال مقام العبودية. إن العبد الموفق هو الذي يفقه عن الله حكمته، فالله جل جلاله حكيم عليم، يمنع بحكمة ويعطي بحكمة. والقاعدة الفقهية في السلوك إلى الله هنا تتلخص في أن المنع من الله هو عين العطاء إذا أورث العبد افتقارا وتذللا، وأن العطاء قد يكون عين المنع إذا أورث العبد طغيانا وغفلة. ولذلك يؤسس الشيخ جابر بغدادي لمعيار إيماني دقيق: "ساعة ما عطيتنا نقول الحمد لله، وساعة ما منعتنا تبقى عطيتنا الحمد لله". وهذا الملمح يوافق تماما أصول فقه الرضا المذكور في السنة النبوية المطهرة ⁽¹⁾، حيث يستوي عند "العبد الحقيقي المسلم لحكم ربنا" العطاء والمنع، الصحة والسقم، والمدح والذم. كلها عند أهل محبة الله سواء، لأن مصدرها واحد، وهو الفعال لما يريد جل جلاله. [ مقام التسليم ومجانبة منازعة الأقدار ] إن مقام التسليم الكامل يقتضي فقهيا وعقديا ألا ينازع الإنسان ربه في إرادته. فلا يصح إيمانا أن يعترض العبد على قضاء الله بأدوات الاستفهام الاستنكارية: "ليه وإزاي وعشان إيه". بل إن شرط الإيمان هو التسليم المطلق لحكم الله الشرعي والقدري، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. والصبر هنا ليس خيارا بل هو فريضة، ومواجهة البأساء والضراء هي سُنّة ماضية في الأولين والآخرين، كما قرر القرآن الكريم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. [ تدبير احترازي وتوجيه عقدي: بين التسليم وعقيدة الجبر الفاسدة ] هنا استرسل الشيخ جابر بغدادي في وصف حالة التسليم المطلق، مستخدما تعبيرات السادة العارفين، كقوله عن العبد أنه في مشيئة مولاه "كريشة في فلاة"، وقوله: "وشرط الهوى فيكم فناء الإرادة، لا يحب تعجيل ما أخرت، ولا يحب تأخير ما عجلت". وهنا يجب أن نقف وقفة فقهية وعقدية صارمة، لضبط هذا المفهوم الراقي حتى لا تنزلق الأفهام إلى مزالق "العقيدة الجبرية" الباطلة. إن العقيدة الجبرية تنفي عن الإنسان أي إرادة أو قدرة على الفعل، وتجعل العبد مجبورا كالحجر، وهذا باطل ومخالف لصريح القرآن والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة، فالله تعالى يقول: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾، فأثبت للعبد مشيئة وإرادة وحرية اختيار، وبها مناط التكليف والمحاسبة. إذاً، ما هو التوجيه الصحيح لكلام الشيخ؟ إن فناء الإرادة المذكور هنا، وكون العبد "كريشة في فلاة"، هو توجيه يتعلق بـ "فقه القلوب" تجاه "الأقدار الكونية" التي لا حيلة للعبد فيها، وليس متعلقا بـ "فقه الجوارح" تجاه "التكاليف الشرعية". بمعنى أدق: العبد مأمور شرعاً بالسعي، والعمل، والأخذ بالأسباب، ورفع الظلم، وطلب التداوي ⁽²⁾. ولكنه في قلبه مستسلم تماما لنتيجة هذه الأسباب، لا يرى فاعلا على الحقيقة إلا الله. فـ "فناء الإرادة" هنا يعني فناء الإرادة الشخصية المعترضة (الهوى) في إرادة الله الشرعية (الرضا)، بحيث لا يتمنى العبد حالا غير الحال الذي أقامه الله فيه من حيث الرضا بالقضاء، مع استمرار سعيه وبذله للجهد. وهذا هو عين التوكل السني الصحيح، الذي يجمع بين عمل الجوارح وطمأنينة القلوب. [ فقه الأسباب والمعجزات: بين رحلتي الهجرة والإسراء ] وللتأكيد على هذا التوازن البديع، ضرب الدكتور جابر بغدادي مثالاً فقهياً وتاريخياً من السيرة النبوية العطرة، مقارناً بين "رحلة الهجرة" و"رحلة الإسراء والمعراج". في رحلة الهجرة، استغرقت الرحلة من مكة إلى المدينة ثمانية أيام من الجهد البشري والتخطيط، رغم وجود العدو والمطاردة. بينما في رحلة الإسراء، قُطعت مسافات تفوق مسافة الهجرة أضعافا مضاعفة، وتجاوزت القوانين الأرضية، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم في وقت أقل من "دفء الفراش"، دون أن يكون هناك عدو يطارده. السر الفقهي والعقدي هنا: لماذا فعل الله ذلك؟ يقول الشيخ: "أراد الله في هذه الليلة أن يثبت أن محمداً عبد". ففي الهجرة كان التشريع للأمة بضرورة الأخذ بالأسباب، وهو فقه الجوارح. أما في الإسراء، فكان إظهارا لطلاقة القدرة الإلهية، وأن العبد مهما أخذ بالأسباب، فهو في النهاية محمول بعناية الله المطلقة، تسيره مشيئة الله وتطويه عنايته كما تطوى الريح الريشة في الفلاة. [ الثمرة الختامية: شهود الفاعل في كل شيء ] إن هذا التسليم ليس خنوعا، بل هو غاية الشجاعة والصدق مع الله. وقد وصف الله هؤلاء الصادقين بقوله: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. لم يقل القرآن أن جزاء صدقهم العاجل هو حيازة الدنيا وجمعها، بل قد يكون الجزاء هو الثبات حتى انقضاء الأجل (قضى نحبه)، دون تبديل أو تغيير لعهد العبودية. إن الثمرة الكبرى لهذا التسليم، كما ختم الشيخ توجيهه، هي الرؤية القلبية الصافية: "بالتسليم لما رأيت الله في الكل فاعلاً، رأيت جميع الكائنات مِلاحاً". فمن وحد الله في أفعاله، وعلم أن كل ما يصدر عن الجميل جميل، اطمأن قلبه واستراح باله، وعاش في جنة الرضا قبل جنة الخلد.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة