فقه الإحاطات الخمس في آية الكرسي وأسرار التوكل | استنباطات الشيخ جابر بغدادي
إن القارئ لآية الكرسي، يا ولدي، ليدخل في كنف خمس إحاطات ربانية فقهية جليلة، تؤسس لعقيدة راسخة في القلب السليم. فمتى أمعنت النظر وتلوت هذه الآية بيقين، هداك فقهك إلى أنه ليس ثمة سبب في هذا العالم بأسره يتحرك أو يسكن إلا بأمر الله جل جلاله ومشيئته. وسوف توقن بفقه القلوب أن كل المعطلات في حياتك لا يستطيع تشغيلها وإمضاؤها إلا الله سبحانه وتعالى. وهنا يجب أن نتوقف لنتخذ تدبيراً فقهياً وعقدياً صارماً؛ فإن إقرارنا وإيماننا بأن الله وحده هو محرك الأسباب ومقضي الحاجات، لا ينبغي بحال أن يُفهم منه الركون إلى عقيدة "الجبرية" الخاطئة التي تسلب العبد إرادته وتدفعه لترك العمل والتقاعس. بل إن الفقه الصحيح وعقيدة أهل السنة والجماعة توجب عليك الأخذ بالأسباب الظاهرة بكل جوارحك وبذل الجهد، مع تفريغ قلبك من الاعتماد على هذه الأسباب، ليكون اعتمادك الكلي والوحيد على مُسَبِّب الأسباب سبحانه. فمهما مكر الماكرون، يجب أن تستحضر وصية الصادق المصدوق التي رواها الإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) (إمام الجرح والتعديل وصاحب السنن)⁽¹⁾ حين قال: «ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى عليك». وهذا هو غاية الفقه في التوكل الممدوح. فقه الالتجاء وإفراد المعبود بالدعاء ومما يعمق فقه التسليم في قلوبنا، ويوضح لنا ضرورة توجيه بوصلة القلب نحو السماء في الشدائد، ما جرى من حوار نبوي عظيم، حين سأل النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم حصيناً رضي الله عنه، ليعلمه فقه التوحيد في أبهى صوره، قائلاً له مستفهماً بلطف: كم من الآلهة تعبد؟ فأجابه الرجل: سبعة آلهة؛ ستة في الأرض وواحد في السماء. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم مقرراً إياه بفقه الفطرة السليمة، وموجهاً إياه إلى حقيقة الإلوهية: فإذا ألمت بك شدة، وحلت بك بلية، ونزل بك أمر جسيم، فإلى من ترفع شكواك؟ فأجاب حصين بفطرته: أرفعه إلى الذي في السماء. فقال له النبي موقظاً بصيرته لفقه الإفراد: أليس هذا حقاً أن يُعبد؟ فعندها عاد الرجل إلى رشده، وتجلى له فقه الإخلاص. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال له: أما إنك يا حصين لو أسلمت لأعلمنك كلمتين تنفعانك. فلما شرح الله صدره للإسلام، جاء طالباً هذا الفقه النبوي المنير، فقال: يا رسول الله، كنت قد وعدتني إن أسلمت أن تعلمني الكلمتين. فقال له النبي، كما جاء في الحديث الصحيح⁽²⁾: قُل: «اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي». ففي هذا دعاء جامع يجسد فقه الافتقار إلى الله، وطلب الرشاد منه وحده، واللجوء إليه للنجاة من مهلكات النفس. فقه الإحاطات في أسماء الله الحسنى ثم نغوص يا ولدي في فقه الإحاطات الخمس المتجلية في ﴿آية الكرسي﴾⁽³⁾. ففي قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ تتجلى إحاطة القدرة المطلقة التي لا يعجزها شيء، مما يوجب على المسلم فقه التفويض. وفي قوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ تشرق إحاطة العلم الإلهي، مما يثمر فقه المراقبة الدائمة. وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿الْحَيُّ﴾ فهو يشير إلى إحاطة الحياة الدائمة التي لا تنقضي. وفي اسمه: ﴿الْقَيُّومُ﴾ تبرز إحاطة القيومية التي بها قوام كل موجود وكل تدبير في هذا الكون. ثم تختتم هذه المعاني الجليلة بقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ لتظهر إحاطة العظمة والكبرياء المانعة من الشرك أو الالتفات لغيره. ولأجل هذه الأسرار المتلألئة، تضمنت آية الكرسي خمسة من أسماء الله الحسنى البهية، وهي: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم. فلتأخذ حظك من فقه هذه الأسماء، لتكن محفوظاً في إحاطات الرحمن الفقهية والروحية.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الإحاطات الخمس في آية الكرسي | تأملات روحانية للشيخ جابر بغدادي)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الإحاطات الخمس في آية الكرسي وتوحيد الأفعال | دراسة عقدية من كلام الشيخ جابر بغدادي)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار الإحاطات الخمس في مدارج السالكين | توجيهات الشيخ جابر بغدادي في تزكية القلوب)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي المعتمد لدرس آية الكرسي وأسرارها الخمسة)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (عقبة التعلق بالأسباب وتوقف مساعي الحياة.. كيف أتحرر من الخوف بآية الكرسي؟)الأسئلة
وقت القراءة
