Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقهُ الصَّلَاةِ وأسرارُ الفاتحة: المنهجُ الفقهيُّ لِعلاجِ كَمَدِ الوَحْدَةِ والضِّيق | الدكتور جابر بغدادي

يستخرجُ الدكتور جابر بغدادي في هذا المقالِ الفقهيِّ البليغِ أسرارَ فقهِ الصلاةِ وأحكامَ سورةِ الفاتحة، كاشفاً عن حقيقةِ الصلاةِ بوصفها عقدَ مناجاةٍ وتخاطبٍ شرعيٍّ يُنهي وحشةَ الاكتئاب، مع إرساءِ التدابيرِ الفقهيةِ المحكمةِ للتمييزِ بين مشروعيةِ الأخذِ بالأسبابِ والتداوي، وبينَ حظرِ الركونِ القلبيِّ إليها.

فقهُ الدُّخُولِ في الصَّلَاة: "تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ" بَابُ الخُرُوجِ مِنَ الوَحْدَة
أيها السائرُ في أزقَّةِ الوحشةِ، المكتوي بنارِ الاكتئاب، يا مَن يلهجُ لسانُ حالِكَ في صمتٍ وانكسار: "لا أحدَ في هذا الوجودِ يفهمني، ولم تعدْ في الخَلقِ أُذنٌ تسمعُ شكواي"، حتى أوصدتَ يا ولدي عليكَ بابَ غرفتِك، واعتزلتَ الناسَ بعدما يئستَ من إدراكِهم لِعمقِ مأساتِك..أفتظنُّ يا ولدي –في ميزانِ الفقهِ وأحكامِ الشريعةِ– أنَّ الشارعَ الحكيمَ تركَكَ في هذا التيهِ دونَ "مخرجٍ شرعيٍّ" منضبط؟ أوَ خُيِّلَ إليكَ أنَّ أحكامَ العباداتِ مجردُ طقوسٍ جافةٍ لا تلامسُ جراحاتِ القلوبِ ولا تُسعفُ المكروب؟
تعالَ يا ولدي أُعلِّمْكَ "فقهَ المناجاة"، وأَدُلَّكَ على مَن يفهمُ الخليقةَ بأسرِها.قُم، وتوضأْ وضوءَ الغيبِ، وانصبْ وجهَكَ للقبلة، وافتتحْ صلاتَكَ بالرُّكنِ الفقهيِّ الأعظمِ معلناً: "اللهُ أكبر"؛ فإنَّ «تكبيرةَ الإحرامِ» في فقهِنا الإسلاميِّ سُمِّيَتْ بذلكَ لأنها تُحرِّمُ عليكَ الالتفاتَ إلى ما سوى الله، وتفصلُكَ عن ضجيجِ الأرضِ لِتُدخِلَكَ في كنفِ السماء.
ثم ادخلْ في رحابِ قراءةِ سورةِ الفاتحة، واقرأ ما تجلَّى في الحديثِ القدسيِّ الصحيحِ الذي أخرجَهُ الإمامُ مسلمُ بنُ الحجّاجِ (ت: ٢٦١ هـ) (إمام المحدثين)⁽¹⁾: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»⁽¹⁾، فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽²⁾؛ قال اللهُ تعالى: «حَمِدَنِي عَبْدِي»⁽¹⁾.
تأمَّلْ يا ولدي هذه الدلالةَ الفقهيةَ البديعة؛ فقد أطلقَ الشارعُ الحكيمُ في هذا الحديثِ لفظَ "الصلاةِ" وأرادَ بها "سورةَ الفاتحة"؛ وهو ما استنبطَ منهُ الإمامُ النوويُّ (ت: ٦٧٦ هـ) (مُحرِّر المذهب الشافعي)⁽⁸⁾ حُكمَ "رُكْنِيَّةِ الفاتحةِ"، وأنَّ الصلاةَ دونَها «خِدَاجٌ»⁽¹⁾؛ أي فاسدةٌ وناقصة.
ولِمَ لا تكونُ رُكناً وهي في حقيقتِها الفقهيةِ "عقدُ تخاطبٍ ومكالمةٌ عُليا" بينَ العبدِ وربِّه؟ فكيفَ تكتئبُ وتدَّعي الوحدة، وأنتَ في كلِّ ركعةٍ طرفٌ في حوارٍ شرعيٍّ مع مَلِكِ الملوك؟
فقهُ "الطُّمَأْنِينَةِ والوَقْف": سُنَّةُ الإِنْصَاتِ لِلْجَوَابِ الإِلَهِيّ
وإذا كانَ أهلُ الأرضِ قد صَمُّوا آذانَهم عن سماعِك يا ولدي، فتمهَّلْ في قراءتِك..تريَّثْ قليلًا بعدَ أن تنطقَ بقولِك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽²⁾، وانتبهْ لتلك اللحظةِ اللطيفة؛ فإنَّ هناكَ مَن يردُّ عليكَ في الملأِ الأعلى.
إنَّ آفتَكَ التي أورثتْكَ هذا الضِّيقَ هي أنكَ اعتدتَ في عادتِكَ البشريةِ أن تتكلمَ للناسِ فلا يسمعُكَ أحد، واعتدتَ في غفلتِكَ أن تتكلمَ ولا تُنصت، حتى ظننتَ أنَّ الكونَ مالوش رَبٌّ يُدبِّرُه!
وهنا يبرزُ لنا حكمٌ فقهيٌّ جليلٌ يُقررُهُ الإمامُ محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ (ت: ٢٠٤ هـ) (ناصر السنة)⁽⁹⁾؛ ألا وهو مشروعيةُ «الوقْفِ على رؤوسِ الآيات» في الفاتحة، ووجوبُ تحقيقِ رُكنِ «الطمأنينةِ والخشوع».
فإذا وقفتَ بين يديِ اللهِ وقلتَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فاصمتْ هنيئةً، وحقِّقْ سُنَّةَ الوقف؛ لأنَّ وراءَ هذا الصمتِ الفقهيِّ استيعاباً للجوابِ الإلهيِّ الأقدس: نحنُ نُجيبُك.فالصلاةُ في الفقهِ ليستْ سرداً آلياً، بل هي إنصاتٌ وتلقٍّ.
فقهُ الاسْتِعَانَةِ وتَوْجِيهُ الطَّلَب: حُكْمُ إِفْرَادِ المَعْبُودِ بِالقَصْد
أَتَخَلَّى عنكَ أهلُ الأرضِ وانفضُّوا من حولِك؟ أَعَجَزُوا عن فهمِ مرادِك؟ هَبْهم فعلوا؛ فإنَّ لكَ رَبّاً خلقَك، وصنعَك، وأنشأكَ من عدمٍ، هو وحدهُ الذي يفهمُك.أَمَا عادَ في الخَلقِ مَن يعبأُ بدموعِك؟ اعلمْ يا ولدي أنَّ دمعتَكَ في ميزانِ الشريعةِ غالية؛ فما إن تناديهِ خاشعاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾⁽³⁾، حتى يأتيكَ المددُ: "أنا أسمعُك".
وقد استنبطَ الإمامُ موفقُ الدينِ ابنُ قُدامةَ المقدسيُّ (ت: ٦٢٠ هـ) (شيخ المذهب الحنبلي)⁽⁴⁾ من هذه الآيةِ قاعدةً فقهيةً صارمة؛ فقال إنَّ تقديمَ المعمولِ "إياكَ" يُوجبُ "الحصرَ والاختصاص"؛ ومقتضاهُ الفقهيُّ: تحريمُ صرفِ العبادةِ لغيرِ الله، وبطلانُ التعلُّقِ بغيرِ اللهِ في طلبِ العونِ الوجوديِّ الغيبيّ.
فمَن طلبَ كشفَ الضرِّ من مخلوقٍ عاجزٍ فقد خالفَ مقتضى عقْدِ الاستعانةِ الذي أبرمَهُ في صلاتِه.
انظرْ يا ولدي إلى بديعِ اللطفِ حين تقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾⁽⁵⁾، فيُباهي بكَ الحقُّ قائلاً: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»⁽¹⁾! تبكي وتتألم: "لقد شكرتُ كلَّ الناسِ فما قدّروني، وصنعتُ الخيرَ في القاصي والداني فما شكرني أحد"؟ فيأتيكَ الردُّ من ربِّك: اسمعْنا ونحنُ نُعلنُ في الملكوتِ: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، نحنُ الذين نعلمُ ما صنعتَ، ونحنُ الذين نكتبُ لكَ الأجرَ الفقهيَّ والجزاءَ الأوفى، فما حاجتُكَ لِشُكرِ العبيد؟
فقهُ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ وتَدْبِيرُ الِاحْتِرَاز: بَيْنَ مَشْرُوعِيَّةِ التَّدَاوِي وحَظْرِ التَّوَاكُل
أَلَمْ تتدبَّرْ يا ولدي الاستفهامَ التقريريَّ في قولهِ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾⁽⁶⁾؟ بلى واللهِ إنهُ لكافٍ! ولكنْ، أتدري متى تسلَّلَ إليكَ هذا الكمدُ والاكتئاب؟ في تلك اللحظةِ التي استغنيتَ فيها عنِ اللهِ بخلقِ الله، وركنتَ بقلبِكَ إلى الأسبابِ ونسيتَ مُسبِّبها؛ وهنا تتجلَّى قاعدةُ التأديبِ الربانيِّ التي صاغَها الإمامُ ابنُ عطاءٍ السكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ) (قطب العارفين)⁽⁷⁾؛ فبمجردِ أن تركنَ لغيرِ الله، يَكِلُكَ اللهُ إلى حُسنِ صِلَتِهم، ويرفعُ عنكَ كنفَ كفايتِه، ويُخلِّي بينكَ وبينهم، فسلّطهم عليكَ حتى آذَوْك، فانقلبتَ من الافتخارِ بهم إلى الانتحارِ النفسي، وعشتَ في كمدِ الوحدة.
إنكَ تُهلكُ نفسَكَ بوهمِ أنكَ "وحيد"، بينما أنتَ في الفقهِ والشريعةِ ما خُلِقْتَ إلّا لِـ "التوحيد"!
ولكنْ –وهنا نضعُ التدبيرَ الفقهيَّ الاحترازيَّ الصارمَ الذي لا غنى عنه– إياكَ ثم إياكَ يا ولدي أن تفهمَ من قولِ الشيخِ: "تخلَّى عنكَ الخَلقُ فالجأْ لربِّك"، أو من دعوتِنا لقطعِ التعلُّقِ بالبشر، أنَّ الشريعةَ تدعوكَ إلى «التواكلِ المذموم» أو هجرِ الأسبابِ الدنيوية، أو أنكَ تمتنعُ عن زيارةِ الطبيبِ وتناولِ الدواءِ النفسيِّ والجسديِّ لِعلاجِ الاكتئاب! فهذا فهمٌ سقيمٌ وانحرافٌ فقهيٌّ خطير.
إنَّ فقهَ الشريعةِ الغرّاءِ يقررُ بوضوحٍ أنَّ «الأخذَ بالأسبابِ والتداويَ واجبٌ أو مندوبٌ شرعاً»؛ امتثالاً لِـأمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيح: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً».
فالمنهجُ الفقهيُّ المتوازنُ هو: "أن تأخذَ بالأسبابِ الطبيةِ والنفسيةِ والاجتماعيةِ بجوارحِكَ تعبُّداً وطاعةً للهِ الذي أمرَ بها، ولكنكَ تسحبُ (الاعتمادَ القلبيَّ) منها وتجعلُهُ في يدِ اللهِ وحدهُ توحيداً".
فالطبيبُ والدواءُ والصديقُ في منظورِ الفقهِ مجردُ "أسبابٍ ووسائطَ" خلقَها الله، فإذا تخلَّتِ الوسائطُ، بقيَ الأصلُ والمُمِدُّ سُبحانَه.
فقهُ القُلُوبِ وثَمَرَاتُ اليَقِين: دَكُّ الأَغْيَارِ في حَضْرَةِ الوَصْل
حتى إذا ما استوعبتَ هذا المنهجَ الفقهيَّ، وترقَّيتَ في معارجِ الفاتحةِ إلى قولِك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾⁽³⁾؛ قَبِلَ اللهُ منكَ الضعف، واستوعبَكَ باللطف، فتتحققُ لكَ ثمرةُ «فقهِ الباطن» التي أطالَ الإمامُ أبو حامدٍ الغزاليُّ (ت: ٥٠٥ هـ) (حجة الإسلام)⁽¹¹⁾ في شرحِها؛ ألا وهي: "دَكُّ قواعدِ الأغيارِ في القلب"؛ أي تهاوي أصنامِ الالتفاتِ إلى البشر، والوصولُ إلى حالةِ التجردِ الصافي.
عندها، يعيدُ اللهُ شملَ نفسِكَ المطمئنَّة، وتتدفقُ في قلبِكَ أنهارُ السكينة، فتترنمُ بلسانِ الفقهِ الممزوجِ بالذوقِ الروحانيِّ بما جادَ بهِ الدكتور جابر بغدادي⁽¹⁰⁾: "دُكَّتْ قَوَاعِدُ أَغْيَارِي فَصِرْتُ فَنَاءً ...وَأَعَادَ شَمْلِي وَرَوَتْ فِي الْوَصْلِ أَنْهَارُ، دُكَّتْ قَوَاعِدُ أَغْيَارِي فَصِرْتُ فَنَاءً ...وَأَعَادَ شَمْلِي وَوَثَّقَ الْوَصْلَ أَرْكَانُ، فَارَقْتُ نَاسِي وَكَأْسِي لَمْ يَعُدْ يَكْفِي ...وَسَكِرْتُ بِالنُّورِ تِيهًا كَيْفَ أَلْقَانِي".

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي