فقه العفو وأسرار التشريع: قراءة فقهية في أخلاق أهل الإحسان لدفع الإساءة
فقه القصاص والعفو في ميزان الشريعة والإحسان يا ولدي، إذا ما رُميت بعدوٍ، أو ظالمٍ، أو فاسقٍ أنزل بك أذاه، فإياك أن تنحدر إلى دركه وتعامله بمثل فعله، متعللاً بمقالة العوام الفاسدة 'البادي أظلم'. وهنا لابد أن نقف وقفة فقهية دقيقة حتى لا يلتبس عليك الأمر؛ فالشريعة الإسلامية الغراء قد كفلت للمظلوم حق رد الاعتداء بمثله إرساءً لقواعد العدل وحفظاً للحقوق، وهذا ما يُعرف في الفقه بـ (باب القصاص) أو (دفع الصائل). ولكن، حذارِ أن تفهم أن التوجيه بترك الانتقام دعوة للضعف أو الخنوع، بل هو ارتقاء من مرتبة 'العدل' إلى مرتبة 'الفضل'. فاعلم، أرشدك الله لليقين، أن مسلك مقابلة السيئة بالسيئة ليس من أخلاق أهل الإحسان في شيء. فقه أهل الإحسان ينبني على إدراك يقيني بأن كرم الكريم يتجلى في تمامه وكماله عند مقابلة السيئات بالعفو، متى ما كان العفو سبيلاً للإصلاح ولا يترتب عليه تمادي الظالم في بغيه. ليس من شيمنا أن نُعادي مَن عادانا بمثل عداوته، ولا أن نظلم مَن ظلمنا، ولا أن نؤذي جاراً آذانا بمثل ما اقترف؛ فهذا الصنيع يتنافى قطعاً مع خُلق الإسلام الرفيع، وما كان سيدنا رسول الله ﷺ على هذا النحو أبداً. ألم تتأمل، يا ولدي، قول الحق تبارك وتعالى، والذي يؤصل لقاعدة فقهية ونفسية عظيمة: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾⁽¹⁾؟ فليكن عملك على شاكلة النور، لا على شاكلة الظلمة. فقه السياسة الشرعية ودرء المفاسد النبوية انظر بعين بصيرتك المتفقهة إلى سيدنا النبي ﷺ، وهو يجود بجلبابه الشريف ليكفن فيه رجلاً كان رأساً في النفاق وسبباً في إيذاء المسلمين. بل وتأمل هذا الموقف الفقهي العظيم؛ حين قيل إن النبي ﷺ قد أهدر دم هذا المنافق، هبّ ابنه الصالح، العارف بحدود الله، وقال لرسول الله ﷺ: 'إن كنت لا محالة مهدرًا دمه، فدعني أنا أتولى قتله، لئلا تقع عيني على قاتل أبي، فتأخذني الحمية فأقتله، فأكون قد قتلت مؤمناً بمنافق'. هنا يتجلى (فقه السياسة الشرعية) في أبهى صوره. فماذا كان رد الحبيب المصطفى ﷺ؟ لقد أجابه بمنطق الرحمة المهداة والمصلحة العامة: «إنا لسنا بقتالين»⁽²⁾. فمن الناحية الفقهية المحضة، قد يستوجب الخائن القتل تعزيراً أو حداً، ولكن القاضي وولي الأمر (وهو هنا سيدنا رسول الله ﷺ) يملك حق تعليق العقوبة أو العفو عنها إذا ترتب على إقامتها مفسدة كبرى. وقد بيّن النبي ﷺ علة هذا الحكم الفقهي لئلا يتقول الناس: 'إن محمداً يقتل أصحابه'. ففي الفقه الإسلامي، (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح). لقد آثر المصطفى ﷺ أن يُبقي على كرمه، إكراماً لخاطر الابن الصالح، وتجلياً لرحمة النبوة، وحفظاً لسمعة الدعوة الإسلامية من تشويه المرجفين. فقه الجنائز والحدود الفاصلة بين الرحمة والتشريع ولنا في كتاب الله آية تُتلى، أسست لحكم فقهي قطعي في باب (صلاة الجنازة): ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾⁽³⁾. وحين مضى سيدنا النبي ﷺ ليستغفر لـ 'عبد الله بن أبي بن سلول' بناءً على طلب ابنه، وليصلي عليه متمسكاً بأصل الإباحة قبل ورود النهي القاطع، هبّ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه -الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل- واقفاً في مقام الغيرة الشرعية، وقال: 'يا رسول الله، هذا إنسان منافق، وإن الله قد نهاك أن تستغفر له!'. فأجابه الحبيب ﷺ بصدره الواسع، مستنداً إلى ظاهر النص قبل نزول التحريم البات: «إن الله خيرني، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت»⁽⁴⁾. تأمل يا ولدي، أين وقف العدد في النص القرآني؟ ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ومع مَن؟ مع مَن يخالفنا الرأي ويناصبنا العداء. ولكن في هذا الموقف المهيب، صادفت الغيرة الإلهية الغيرة العمرية على الجناب النبوي وعلى حرمة الدين، فنزل قول الحق مصدقاً لعمر، ومؤسساً لقاعدة فقهية صارمة تحرم الصلاة على المنافقين والكفار: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾⁽⁵⁾. ليكون في هذا المشهد العظيم درسان لا يُنسيان: درسٌ محمديٌ في السماحة والرحمة البالغة، ودرسٌ عُمريٌ في الغيرة على رسول الله ﷺ وعلى صيانة التشريع من التمييع. فقه القلوب: التواضع والانكسار طريق الولاية نحن في أشد الحاجة، يا ولدي، أن نُفَعِّل (فقه القلوب) في حياتنا؛ بأن نتنازل عن كبريائنا قليلاً، وأن نهبط من علياء نفوسنا الزائفة. فالكبر في الفقه الإسلامي ليس مجرد عيب سلوكي، بل هو من كبائر الذنوب الباطنة التي تحبط العمل. نحتاج أن نسجد، لنقترب، فإذا ما تحققنا بمقام الانكسار لله، تجلت فينا الآية: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾⁽⁶⁾. ثم إن المولى جل جلاله يعقب على هذه السماحة وذلك العفو البليغ بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾⁽⁷⁾. وتأمل دقة اللفظ القرآني؛ فلم يقل 'وما ينالها'، بل قال ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾، فالتلقي هنا يعني أنه عطاءٌ ربانيٌ ومحض فضل، يُساق إليك بغير استحقاق ذاتي منك، بل هو هبة شرعية لمن تخلى عن حظ نفسه الأمارة. وإذا جاءك الشيطان ليهمس في صدرك ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾⁽⁸⁾، فاعلم أن الشيطان سيأتيك من باب 'نفسك'، و'مكانتك'، و'عائلتك'، و'مظهرك الاجتماعي'، ليقول لك: 'لا تتنازل، فكيف ترضى بالدنية؟ وأين حقك الشرعي في القصاص؟'. فقل له بلسان اليقين والفقه الصحيح: 'هذه كلها افتراءات وأوهام! مقامي الآن مقام الفضل لا العدل'. يا ولدي، أنت في حقيقتك لست بشيء! أنت هنا لا شيء على الإطلاق، ما أنت إلا وهم محض كَسَوْنَاهُ بألطاف الله، أنت مجرد قبضة من طينة كُسِيَتْ بنور الله عز وجل. فبمَ تتكبر؟ ولماذا تضخم الأمور وتعظم حظ نفسك تحت مسميات واهية؟ إياك أن تركن إلى هذه الوساوس، فتضيع من بين يديك الجائزة الكبرى، ومقام الرضا، وثواب العفو الذي أخفاه الله في قوله ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الافتقار إلى الله وأسرار العطاء الرباني في دفع الإساءة)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الإحسان وانكسار النفس: أسرار التزكية في دفع الإساءة)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي لدرس وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (عقبة الكبرياء ووهم المكانة في طريق العفو)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (صراع القلب بين نيران الانتقام وأخلاق أهل الإحسان)الأسئلة
وقت القراءة
