✧
✦
بقلم: الشيخ جابر بغدادي
وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم
في هذا المقال الروحاني، يقدم الدكتور جابر بغدادي وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم، موضحاً أسرار أخلاق أهل الإحسان في التعامل مع الإساءة، وكيف تتجلى الرحمة المحمدية في مواجهة الأعداء، ليرتقي بالمريد من وهدة الكبرياء وحظوظ النفس إلى صفاء التواضع وأنوار العفو الإلهي.
وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم
أخلاق أهل الإحسان في دفع الإساءة يا ولدي، متى رُميت بعدوٍ، أو ظالمٍ، أو فاسقٍ أنزل بك أذاه، فإياك أن تنحدر إلى دركه وتعامله بمثل فعله، متعللاً بمقالة العوام 'البادي أظلم'. فاعلم، أرشدك الله، أن هذا المسلك ليس من أخلاق أهل الإحسان في شيء؛ فإن أهل الإحسان يدركون يقيناً أن كرم الكريم يتجلى في تمامه وكماله عند مقابلة السيئات. ليس من شيمنا أن نُعادي مَن عادانا بمثل عداوته، ولا أن نظلم مَن ظلمنا، ولا أن نؤذي جاراً آذانا بمثل ما اقترف؛ فهذا الصنيع يتنافى قطعاً مع خُلق الإسلام الرفيع، وما كان سيدنا رسول الله ﷺ على هذا النحو أبداً. ألم تتأمل، يا ولدي، قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾⁽¹⁾؟ فليكن عملك على شاكلة النور، لا على شاكلة الظلمة. كرم النبوة ومقام العفو عند المقدرة انظر بعين بصيرتك إلى سيدنا النبي ﷺ، وهو يجود بجلبابه الشريف ليكفن فيه رجلاً كان سبباً في إيذاء المسلمين، بل إنه حين قيل إن النبي ﷺ قد أهدر دم هذا المنافق، هبّ ابنه الصالح وقال لرسول الله ﷺ: 'إن كنت لا محالة مهدرًا دمه، فدعني أنا أتولى قتله، لئلا تقع عيني على قاتل أبي، فتأخذني الحمية فأقتله، فأكون قد قتلت مؤمناً بمنافق'. فماذا كان رد الحبيب المصطفى ﷺ؟ لقد أجابه بمنطق الرحمة المهداة: «إنا لسنا بقتالين»⁽²⁾، وذلك لئلا يتقول الناس: 'إن محمداً يقتل أصحابه'. لقد آثر المصطفى ﷺ أن يُبقي على كرمه، إكراماً لخاطر الابن الصالح، وتجلياً لرحمة النبوة التي وسعت كل شيء. بين الرحمة المحمدية والغيرة العمرية ولنا في كتاب الله آية تُتلى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾⁽³⁾. وحين مضى سيدنا النبي ﷺ ليستغفر لـ 'عبد الله بن أبي بن سلول' بناءً على طلب ابنه، وليصلي عليه، هبّ سيدنا عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) -الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل- واقفاً في مقام الغيرة، وقال: 'يا رسول الله، هذا إنسان منافق، وإن الله قد نهاك أن تستغفر له!'. فأجابه الحبيب ﷺ بصدره الواسع: «إن الله خيرني، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت»⁽⁴⁾. تأمل يا ولدي، أين وقف العدد؟ ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ومع مَن؟ مع مَن يخالفنا الرأي ويناصبنا العداء. ولكن في هذا الموقف المهيب، صادفت الغيرة الإلهية الغيرة العمرية على الجناب النبوي وعلى حرمة الدين، فنزل قول الحق مصدقاً لعمر: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾⁽⁵⁾. ليكون في هذا المشهد العظيم درسان لا يُنسيان: درسٌ محمديٌ في السماحة والرحمة البالغة، ودرسٌ عُمريٌ في الغيرة على رسول الله ﷺ وعلى دين الله. التواضع والانكسار.. طريق الولاية والصفاء نحن في أشد الحاجة، يا ولدي، أن نتنازل عن كبريائنا قليلاً، وأن نهبط من علياء نفوسنا الزائفة. نحتاج أن نسجد، لنقترب، فإذا ما تحققنا بمقام الانكسار لله، تجلت فينا الآية: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾⁽⁶⁾. ثم إن المولى جل جلاله يعقب على هذه السماحة وذلك العفو البليغ بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾⁽⁷⁾. وتأمل دقة اللفظ القرآني؛ فلم يقل 'وما ينالها'، بل قال ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾، فالتلقي هنا يعني أنه عطاءٌ ربانيٌ ومحض فضل، يُساق إليك بغير استحقاق ذاتي منك، بل هو هبة لمن تخلى عن حظ نفسه. وإذا جاءك الشيطان ليهمس في صدرك ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾⁽⁸⁾، فاعلم أن الشيطان سيأتيك من باب 'نفسك'، و'مكانتك'، و'عائلتك'، و'مظهرك الاجتماعي'، ليقول لك: لا تتنازل، فكيف ترضى بالدنية؟'. فقل له بلسان اليقين: 'هذه كلها افتراءات وأوهام!'. يا ولدي، أنت في حقيقتك لست بشيء! أنت هنا لا شيء على الإطلاق، أنت مجرد قبضة من طينة كُسِيَتْ بنور الله عز وجل. فبمَ تتكبر؟ ولماذا تضخم الأمور وتعظم حظ نفسك؟ إياك أن تركن إلى هذه الوساوس، فتضيع من بين يديك الجائزة الكبرى، ومقام الرضا في حضرة الإحسان.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الافتقار إلى الله وأسرار العطاء الرباني في دفع الإساءة)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه العفو وأسرار التشريع: قراءة فقهية في أخلاق أهل الإحسان لدفع الإساءة)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الإحسان وانكسار النفس: أسرار التزكية في دفع الإساءة)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي لدرس وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (عقبة الكبرياء ووهم المكانة في طريق العفو)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (صراع القلب بين نيران الانتقام وأخلاق أهل الإحسان)الأسئلة
