Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

تجليات الأسماء والصفات في أدب الوداد الإلهي: قراءة عقدية في كرم العفو | الدكتور جابر بغدادي

مقال عقدي تأصيلي يستنبط المعاني التوحيدية من كلام الدكتور جابر بغدادي، شارحاً عقيدة توحيد الأسماء والصفات في اسمي "الكريم" و"الودود"، ومفهوم صفة "بسط اليد" للتوبة عند أهل السنة والجماعة، مع تحقيق مسألة المدد الإلهي، وعصمة الجناب النبوي في القرآن الكريم، متبوعاً بتدابير احترازية تنفي مزالق الفهم الجبري أو الإباحي.

عقيدةُ الودادِ الخالصِ..وتَجَلِّي كَمالِ الصِّفاتِ
إنَّ الناظرَ يا ولدي في أصولِ الاعتقادِ عندَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، يُدركُ يقيناً أنَّ العلاقةَ بينَ الخالقِ جلَّ جلالُهُ والمخلوقِ، ليستْ مبنيَّةً على جَفافِ المُعاوضةِ الآليَّةِ، بل هي مُؤسَّسةٌ على كمالِ تجلِّياتِ الأسماءِ والحُسنى والصِّفاتِ العُليا.
وحينَ يُقرِّرُ العارفونَ —كما يَنطقُ لسانُ الدكتور جابر بغدادي— أنَّ "المحبَّ الصادقَ لا يُحوجُ حبيبَهُ إلى مَذلَّةِ الاعتذارِ"، فإنَّهم يُترجمونَ حقيقةً عَقديَّةً كُبرى تتعلَّقُ باسمِهِ تعالى "الودود"، الذي يتودَّدُ إلى عبادِهِ بالنِّعمِ معَ غِناهُ المُطلقِ عنهم، وباسمِهِ "الكريم" الذي يتجاوزُ عنِ الزَّلَّاتِ بمقتضى كمالِ إحسانِهِ، لا بمقتضى استحقاقِ العبدِ.
سِرُّ "بَسْطِ اليَدِ"..بَينَ المَنطقِ البَشريِّ وكَمالِ الكَرَمِ الإلهيِّ
ولكي تفهمَ عُمقَ هذهِ العقيدةِ يا ولدي، تأمَّلْ معي ما أخرجَهُ الإمامُ مُسْلِمٌ (ت: ٢٦١ هـ) (حُجَّةُ المُحَدِّثِينَ) في صحيحِهِ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا»⁽¹⁾.
وهنا يَطرحُ الشيخُ تساؤلاً عَقديّاً يهزُّ الوجدانَ: "ماذا يعني هذا الكلام؟" (ما حقيقةُ هذا المعنى في أصولِ الاعتقادِ؟).
والجوابُ في ميزانِ العقيدةِ الصَّافيةِ: إنَّ صفةَ "بَسْطِ اليَدِ" هي صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ، نُثبتها للهِ تعالى على الوجهِ اللائقِ بجلالِهِ، منْ غيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ، ومنْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ.
ولكنَّ ثمرتَها العَقديَّةَ في السُّلوكِ هي إثباتُ "سَبْقِ الفَضلِ على الفِعلِ".
فبمقتضى المنطقِ البشريِّ المُعاوِضِ، كانَ الظاهرُ أنْ يَبسطَ السيِّدُ يَدَهُ بالليلِ لِيُكرمَ "مُحسنَ النهارِ"؛ لأنَّ المخلوقَ لا يُكرمُ إلَّا مَنْ قدَّمَ لهُ نَفعاً.
أمَّا في عقيدةِ التوحيدِ، فإنَّ كمالَ الكَرمِ الإلهيِّ لا يَتجلَّى في أبهى صُوَرِهِ إلَّا حينَ يُكافِئُ الكريمُ مَنْ أساءَ، ويَمنحُ العطاءَ لِمَنْ لا يَستحقُّ؛ لأنَّ إحسانَهُ ذاتيٌّ لا يَفتقرُ إلى عِلَّةٍ في المخلوقِ تُحرِّكُهُ! وتلكَ هي ذُروةُ عقيدةِ الرَّجاءِ؛ أنْ تَعلمَ أنَّ ربَّكَ لا يُعاملُكَ بِميزانِ عَدلِكَ المَكسورِ، بل بِميزانِ فَضلِهِ المَنصورِ.
التَّدابيرُ العَقدِيَّةُ الواقِيَةُ: نَفيُ الجَبْرِيَّةِ ومَزالِقِ الإباحِيَّةِ
وهنا يا ولدي، لَزِمَ التَّنبيهُ العَقديُّ الصَّارمُ، وإرساءُ التَّدابيرِ الاحترازيَّةِ؛ حتَّى لا تَزِلَّ قَدَمٌ بعدَ ثُبوتِها، فَيَفهمَ الجاهلُ منْ هذا الفَضلِ الإلهيِّ المَحضِ مَفهوماً يُخرجهُ عنْ جادَّةِ الشَّريعةِ.
فإذا قُلنا إنَّ الكريمَ يُعطي مَنْ لا يَستحقُّ، ولا يُحوجُ المُسيءَ إلى ذُلِّ الاعتذارِ، فإيَّاكَ أنْ يَقفزَ إلى ذِهنِكَ مَذهبُ "الجَبْرِيَّةِ" الباطلُ، فَتظنَّ أنَّ العبدَ مُجبرٌ على المَعصيةِ لِكَيْ يَظهرَ فَضلُ اللهِ في العَفوِ! مَعاذَ اللهِ؛ فالعبدُ فاعلٌ لِفعلِهِ حقيقةً، ومُكتسبٌ لِإثمِهِ باختيارِهِ ومَشيئتِهِ التَّابعةِ لِمشيئةِ اللهِ.
وإيَّاكَ ثمَّ إيَّاكَ أنْ تَنزلقَ إلى مَذهبِ "الإباحِيَّةِ" ومُتطرِّفةِ المُرْجِئَةِ، فَتَتركَ العَملَ، وتَتجرَّأَ على المَحارمِ، مُتَّكئاً على أنَّ "الحبَّ يَسترُ، والكريمَ لا يُحوجُ للاعتذارِ"!
فاعلمْ يقيناً أنَّ بَسْطَ اليَدِ الإلهيَّةِ هو "عَطاءُ فَضلٍ"، ولكنَّ قَبولَ هذا العَطاءِ مَشروطٌ عَقديّاً بـ "فِعلِ الإنابةِ والتَّوبةِ".
فاللهُ بسطَ يَدَهُ كَرَماً، ولكنَّهُ أمركَ أنْ تضعَ يَدَكَ في يَدِ مَغفرتِهِ صِدقاً.
المُسيءُ هو مَنْ بادرَ بالظُّلمِ في نَهارِهِ، والكريمُ هو مَنْ فتحَ لهُ بابَ اللَّيلِ لِيَرجعَ؛ فلا الرَّجاءُ يُلغي مَقامَ الخَوفِ، ولا سَعةُ الفَضلِ تُسقطُ عنِ المكلَّفِ واجبَ الاستغفارِ والانكسارِ.
عَقيدَةُ "المَدَدِ الإلهيِّ"..بَينَ الأَجرِ المَخلوقِ والعَطاءِ غَيرِ المَحدودِ
ويَنتقلُ بنا الدكتور جابر في تقريرِهِ العَقديِّ إلى قاعدةٍ في "توحيدِ الأفعالِ"، حينَ يَعقدُ تلكَ المُقارنةَ البليغةَ: "العبدُ إذا استعملَ عبداً أعطاهُ عُمرَهُ، واللهُ إذا استعملَ عبداً أعطاهُ نُورَهُ ومَدَدَهُ".
وفي هذا التَّعبيرِ إثباتٌ لِعقيدةِ "المَدَدِ" التي يُنكِرها الجافُّونَ؛ فالمخلوقُ حينَ يَستعملكَ، فإنَّما يُعاوضكَ بـ (عَرَضٍ زائلٍ) وهو المالُ أوِ الأجرُ المَحدودُ؛ لأنَّ فاقدَ الشَّيءِ لا يُعطيهِ، والمخلوقُ لا يَملكُ لِنفسِهِ نَفعاً ولا ضَرّاً.
أمَّا الخالقُ —جلَّ في عُلاهُ— فإذا استعملَكَ في طاعتِهِ، فإنَّهُ يُمدُّكَ بـ "المَدَدِ الإلهيِّ"؛ وهو الفَيْضُ الوُجوديُّ والإعانيُّ الذي لولاهُ لَما تحرَّكتْ ذَرَّةٌ في الكَونِ.
النُّورُ المَذكورُ هنا ليسَ ضَوءاً حِسّيّاً، بل هو "نُورُ الهِدايةِ والتَّوفيقِ" القائمُ بالقلبِ، وهو أثرٌ منْ آثارِ أسمائِهِ الصِّفاتِيَّةِ.
فَتكونُ النَّتيجةُ العَقديَّةُ: أنَّ طاعتَكَ للهِ ليستْ هي الثَّمنَ لِدخولِ الجنَّةِ، بل طاعتُكَ مَسبوقةٌ بِمَدَدِهِ، ومَصحوبةٌ بِنورِهِ، ومَختومةٌ بِقبولِهِ؛ فالأمرُ كلُّهُ للهِ بَدءاً ومَآلاً.
عِصْمَةُ الأَنبياءِ في مِيزانِ "لُطْفِ العِتابِ"
ثمَّ يَختمُ الشيخُ هذا التَّطوافَ العَقديَّ بِمَسألةٍ منْ أدقِّ مَسائلِ النُّبوَّاتِ؛ وهي "عِصمةُ الأنبياءِ"، وذلكَ عندَ استشهادِهِ بقولِهِ تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾⁽²⁾.
فقدْ يَقرأُ القارئُ غيرُ المُتفقِّهِ كلمةَ "عَفَا"، فَيَتوهَّمُ —بِجهلِهِ— صدورَ (ذَنبٍ أو مَعصيةٍ) منَ الجَنابِ النَّبويِّ الأكرمِ ! وهنا يَتجلَّى الرُّسوخُ العَقديُّ للشيخِ حينَ يُسدِّدُ المَفهومَ قائلاً: "لم تُصِبْ منَ المُرادِ الأكملِ، ولكنَّكَ أصبتَ الكمالَ؛ فلا بُدَّ للأكملِ أنْ يُهذِّبَ الكمالَ بالأكملِ".
وهذا هو مُعتقدُ أهلِ الحَقِّ؛ فالأنبياءُ مَعصومونَ منَ الصَّغائرِ والكَبائرِ.
وما وقعَ منَ النبيِّ في الإذنِ للمُنافقينَ بالتَّخلُّفِ عنْ غزوةِ تَبوكَ، لم يكنْ خُروجاً عنِ الطَّاعةِ، بل كانَ اجتهاداً مبنيّاً على كمالِ الرَّحمةِ البشريَّةِ (مَقامُ الكمالِ)، فأرادَ الحقُّ سُبحانَهُ أنْ يَنقلَهُ إلى مَقامِ الحَزمِ الإلهيِّ المَطلوبِ في مَواطنِ الجِهادِ (مَقامُ الأكملِ).
وتأمَّلْ معي التَّقديمَ العَقديَّ البديعَ الذي أشارَ إليهِ الإمامُ القُشَيرِيُّ (ت: ٤٦٥ هـ) (أستاذُ الطَّريقَةِ) بـ "لُطْفِ العِتابِ وأُنْسِ الخِطابِ"⁽³⁾؛ حيثُ قدَّمَ اللهُ "العَفوَ" قبلَ "الاستفهامِ"؛ لأنَّهُ لو قالَ لهُ ابتداءً: (لِمَ أذنتَ لهم؟)، لَتَصدَّعَ القلبُ الشَّريفُ منْ هَيبةِ السُّؤالِ وجلالِ المُعاتبةِ.
فسبقَ اللُّطفُ العِتابَ، لِيُقرِّرَ في عقيدتِنا أنَّ مقامَ النُّبوَّةِ مَحفوظٌ بِعنايةٍ سَبقتْ، وكرامةٍ لَحقتْ، وأنَّ المُحبَّ الأكملَ (اللهَ جلَّ جلالُهُ) لا يُروِّعُ حبيبَهُ بِسَوطِ المَلامِ، بل يَغمرهُ بِبَردِ السَّلامِ.
الخاتِمَةُ العَقدِيَّةُ: سَبعونَ عُذْراً في حَقِّ الخَلْقِ تَأسِّياً بِالخالِقِ
وَبعدَ هذا التَّأصيلِ، نَعودُ إلى مَبدأِ المَقالِ، وما نقلهُ الشيخُ عنِ الإمامِ حمدونَ القَصَّارِ (ت: ٢٧١ هـ) (إمامُ المَلامَتِيَّةِ) في التماسِ السَّبعينَ عُذراً، ووضعِ الخَدِّ على التُّرابِ⁽⁴⁾.
فإنْ سألتَ: ما علاقةُ هذا الخُلُقِ الصُّوفيِّ بالعقيدةِ؟
فالجوابُ يا ولدي: إنَّ السُّلوكَ هو "العقيدةُ المُتحرِّكةُ".
فإذا رَسخَ في قَلبِكَ أنَّ ربَّكَ —وهو الخالقُ المَالكُ— يَعفو عنكَ باللَّيلِ والنَّهارِ منْ غيرِ أنْ يُذلَّكَ بالاعتذارِ، فكيفَ يَسوغُ لِعبدٍ مَخلوقٍ منْ تُرابٍ، أنْ يَتَكَبَّرَ على أخيهِ المَخلوقِ منْ تُرابٍ، فَيَطلبَ منهُ صُكوكَ التَّذلُّلِ؟! إنَّ وضعَ الخَدِّ على التُّرابِ هنا ليسَ سُجوداً لِبشرٍ، بل هو "إعدامٌ لِصنمِ الأنا" في مِحرابِ التَّوحيدِ؛ لِتَتحقَّقَ بالعبوديَّةِ المَحضَةِ لِمَنْ لَهُ العِزَّةُ جَميعاً.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة ٧ دقائق