عقيدة التجريد ورد الفضل للمجيد: قراءة عقدية في مقام نبي الله سليمان
## توحيد الأفعال وتجريد النفس من دعوى الربوبية تأمل يا ولدي بعين البصيرة في كلام الله جل جلاله، لترى كيف تتجلى معاني العقيدة الصافية في أفعال الأنبياء والمرسلين. حينما أراد نبي الله سليمان، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أن يخاطب مملكة سبأ، كيف بدأ خطابه؟ وما هي العقيدة التي أراد أن يرسخها في قلوب مملكته وقلوب من يراسلهم؟ لقد أرسل كتابه قائلاً كما أخبرنا القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾⁽¹⁾. إن أي ملك من ملوك الدنيا، إذا أراد أن يكتب خطاباً، فإنه يبدأ بتعظيم ذاته، ونسبة القوة والمجد إلى شخصه، فيقول بعد البسملة: "من جلالة الملك المعظم، فلان ابن فلان الفلاني، صاحب الجلالة وصاحب الفخامة".. أليس هذا هو حال أهل الدنيا؟ بلى يا ولدي. ولكن نبي الله سليمان أرسى لنا قاعدة عقدية راسخة، إذ جرد نفسه من كل تعظيم، وقال متواضعاً: "إنه من سليمان"، ثم أتبع ذلك بوصف ربه ومولاه بالرحمة المطلقة. هذا التجريد ليس مجرد أدب ظاهري، بل هو صميم عقيدة التوحيد؛ حيث يعلم النبي الكريم أن المُلك الحقيقي لله، وأن كل ألقاب الدنيا تتلاشى أمام عظمة الخالق، فتبرأ من حوله وقوته، وأثبت الكمال المطلق للمليك الحق سبحانه وتعالى.
## الأخذ بالأسباب والتحذير من مزالق العقيدة الجبرية هنا يا ولدي يجب أن نقف وقفة احترازية هامة، لكي لا تنزلق الأفهام إلى معتقدات فاسدة لا يقرها شرع ولا دين. حينما نقول إن سيدنا سليمان جرد نفسه ورد الفضل لله، قد يظن البعض ظناً خاطئاً أن هذا يدعو إلى ترك العمل، أو الركون إلى السلبية، وهو ما يُعرف بـ "العقيدة الجبرية"، التي تدعي أن العبد مجبور لا إرادة له ولا فعل! وحاشا لله أن يكون هذا مراد الأنبياء. انظر إلى السياق القرآني بتمعن؛ لقد جمع سليمان وزراءه وحكماءه وعباد الله الصالحين والأولياء في زمانه، واتخذ قراراً حازماً، وقال لهم مستخدماً الأسباب المتاحة في ملكه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾⁽²⁾.
هنا تتجلى عقيدة أهل السنة والجماعة في أبهى صورها: "الأخذ بالأسباب بالجوارح، مع توكل القلب بالكلية على مسبب الأسباب". سيدنا سليمان أخذ بالأسباب، وسأل جنده، وأمرهم بالفعل، ولكنه في قرارة قلبه يعلم يقيناً أن هؤلاء الجند، وما يملكون من طاقات، إنما هم أسباب سخرها الله له، فلا الجني العفريت الذي قال: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾⁽³⁾ يملك ضراً ولا نفعاً استقلالاً، ولا الولي الصالح الذي قال: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾⁽⁴⁾ يفعل ذلك بحوله وقوته، بل الكل يتحرك بمدد الله ومشيئته. لقد استعرض كل واحد منهم قدراته، ولكن نبي الله سليمان كان مستقراً في مقام عقدي أسمى، وهو ما سطره في رسالته الأولى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾⁽⁵⁾. هو يعلم أن المرد الحقيقي في كل هذه الخوارق هو لله وحده.
## البراءة من الحول والقوة وشهود الفضل الإلهي فلما تحققت المعجزة، وحضر العرش في طرفة عين، ماذا يقول القرآن الكريم عن رد فعل سيدنا سليمان؟ هل اغتر بقدرات مملكته؟ هل قال: "هذا بعلمي"؟ أو قال: "هذا بجنودي"؟ أو ادعى قائلاً: "هذا بسطوة ملكي وقوتي"؟ كلا يا ولدي، بل نطق بلسان العقيدة الصافية والقلب الموصول بالله قائلاً: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾⁽⁶⁾. هذه الجملة العظيمة ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ هي حصن العقيدة المنيع. إنها إعلان البراءة التامة من نسبة أي نجاح أو توفيق أو قوة إلى النفس. لقد غلب سليمان عليه السلام، بكمال أدبه وعقيدته الراسخة مع الله، كل قدرات الجن وقدرات الأولياء في زمانه. فالخوارق والكرامات والمعجزات لا تزن شيئاً أمام مقام "العبودية الحقة" ورد الفضل للمنعم سبحانه.
## عقيدة الانكسار وثمرتها في الرفعة يا ولدي، هل تساءلت يوماً: في أي حالة كان يعيشها سيدنا سليمان في تلك اللحظة الفارقة؟ لقد كان في حالة خضوع وسجود، قلباً وقالباً. كان يجلس على عرش الملك الدنيوي، نعم، ولكنه كان ساجداً لصاحب العرش العظيم. إن عقيدة المسلم توجب عليه أن يرى نفسه دائماً مفتقراً إلى مولاه، وأن الانكسار بين يدي الله هو عين العزة، وأن التواضع للخالق هو درب الرفعة والتمكين. وهذا المعنى العقدي الجليل هو ما قرره النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الثابت (صحيح مسلم)⁽⁷⁾، حينما أرشدنا إلى أن العبد كلما ازداد تذللاً لربه، واعترافاً بضعفه، وإيماناً بأن القوة لله جميعاً، كلما رفعه الله في الدارين. فما من عبد تواضع لله، وجرد نفسه من دعوى الحول والقوة، إلا رفعه الله مكاناً علياً، وتجلت عليه أنوار المعرفة واليقين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (ما من عبد تواضع لله إلا رفعه: أسرار كمال الأدب في قصة سليمان عليه السلام)المقالات
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (تجريد النفس وكمال الأدب مع الله: أسرار التواضع في قصة نبي الله سليمان)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (ما من عبد تواضع لله إلا رفعه)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (سر الانتصار على كبرياء النفس: كيف أجرد قلبي من العجب وأرد الفضل للمنعم؟)الأسئلة
