Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة التوحيد في اسم الله الحي | أسرار الأجل والرزق والنجاة من وهم التدبير

يستخرج الدكتور جابر بغدادي المعاني العقدية الراسخة لاسم الله "الحي"، مبيناً الفارق الجوهري بين الحياة الذاتية للخالق والحياة الموهوبة للمخلوق، ومصححاً عقيدة التوكل على الله في الرزق بما ينفي وهم الجبرية ويقرر تفويض القلب مع أخذ الجوارح بالأسباب.

عقيدةُ الحياةِ..بينَ الذاتيةِ الإلهيةِ والمنحةِ العرضيةِ للمخلوق
إذا أردنا يا ولدي أن نغوصَ في أعماقِ المعاني العقديةِ التي تحكمُ عبورَ الإنسانِ من عامٍ إلى عام، فإنَّ أولَ قاعدةٍ في "توحيدِ الأسماءِ والصفات" تتجلَّى لنا هي إدراكُ الفارقِ الشاسعِ بينَ "حياةِ الخالقِ" و"حياةِ المخلوق".
فاللهُ -جلَّ جلاله- هو "الحيُّ"؛ وحياتهُ سبحانهُ حياةٌ ذاتيةٌ، أزليةٌ لا مفتتحَ لها، وأبديةٌ لا منتهى لها، قائمةٌ بنفسها ولم تسبقْ بعدمٍ ولا يلحقها زوال، كما يقررُ ذلكَ الإمامُ أبو حامدٍ الغزاليُّ (ت: ٥٠٥ هـ) (حجةُ الإسلام)⁽⁷⁾.
أما حياتُكَ أنتَ يا ولدي، فهي في ميزانِ العقيدةِ "حياةٌ عرضيةٌ موهوبة"، أي أنها مستعارةٌ، لا تملكُ من أمرِ استمرارِها في النَفَسِ القادمِ ذرةً واحدة، بل هي محضُ منحةٍ وتجلٍّ من آثارِ اسمهِ "الحيِّ".
ومن هنا، يبرزُ التساؤلُ العقديُّ الخطيرُ الذي يطرحهُ الشيخُ تنبيهاً للغافلين: لماذا يصرخُ المفرّطُ عندَ معاينةِ الحقيقةِ قائلاً: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (سورة المؤمنون)⁽¹⁾؟ إنَّ هذا السؤالَ في جوهرهِ ليسَ طلباً لعودةِ الروحِ إلى الجسدِ لمجردِ الأكلِ والشرب، بل هو استجداءٌ لـ "فرصةِ وجودٍ عقديّ"؛ لقد أدركَ هذا الميتُ لحظةَ انكشافِ الغطاءِ أنَّ الستينَ عاماً التي قضاها في الدنيا كانت "عدماً في صورةِ وجود"، وأنهُ بأفعالهِ الغافلةِ عن اللهِ قد حوَّلَ سنيَّ عمرهِ البسيطةَ إلى كبيسةٍ من الأوزار، فماتَ قلبهُ عن التوحيد، وماتَ لسانهُ عن الذكر، وظلَّ يموتُ في المعنى لحظةً تلوَ الأخرى، حتى صارَ في ميزانِ الحقيقةِ العقديةِ: "قبراً يَمشي في قبر"! فيأتيهِ الردُّ الإلهيُّ الصارمُ بقانونِ العدلِ والمهلة: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (سورة المؤمنون)⁽¹⁾؛ إذ العقيدةُ تقررُ أنَّ دارَ الابتلاءِ لا تُكرَّر، وأنَّ أنفاسَكَ الممنوحةَ لكَ اليومَ هي رصيدُكَ الأوحدُ لإثباتِ عبوديتِك.
توحيدُ الأسماءِ والصفاتِ في دورةِ الأنفاسِ والرقاد
ولكي يعلّمنا الشيخُ كيفَ نرى "العقيدةَ متحركةً" في تفاصيلِ يومنا، أخذَ يفككُ لنا ظاهرةَ (النومِ والاستيقاظِ) بردِّها إلى أصولها من توحيدِ الأسماءِ والصفات.
فالإنسانُ في عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ ليسَ كائناً يعملُ ذاتياً، بل هو "محلٌّ لجريانِ الأفعالِ الإلهية".
تأمَّلْ يا ولدي هذا التدرجَ البديع: إنَّ شهيقكَ وزفيركَ هما تجلٍّ لاسمِ اللهِ "الحيِّ"، فإذا أويتَ إلى فراشِكَ وسُلبتْ منكَ الإرادةُ والوعي، فهذا تجلٍّ لاسمِ اللهِ "المميتِ"، فإذا رُدَّتْ إليكَ روحُكَ في الصباح، فهذا إحياءٌ جديدٌ بتجلِّي اسمِ اللهِ "الحيِّ".
أما السرُّ القائمُ بينهما؛ فهو تجلِّي اسمِ اللهِ "القيُّومِ"؛ لأنكَ وأنتَ غارقٌ في نومِكَ، غائبٌ عن وعيك، هناكَ من يُديرُ أجهزةَ جسدِكَ، ويحفظُ نبضَ قلبِكَ، ويُجري الدمَ في عروقِكَ دونَ تدخلٍ منك، تحقيقاً لقولهِ تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (سورة الزمر)⁽⁵⁾.
فهذه القراءةُ العقديةُ للحياةِ تجعلُ المسلمَ يرى في كلِّ (روحةٍ وغدوةٍ ويقظةٍ ونوم) منحةً علويةً أدارها القيُّومُ على جوارحهِ الترابيةِ، فلا ينسبُ الفضلَ في بقاهُ لنفسه، بل للمُبقي سبحانه.
حقيقةُ الوجودِ في الميزانِ العقدي.."أحياءٌ في أشباحِ موتى"
وينتقلُ بنا التوجيهُ إلى تصحيحِ مفهومِ "الحياةِ والموت" في المعتقدِ الإسلامي، مستنداً إلى الميزانِ النبويِّ الصارم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» (صحيح البخاري)⁽²⁾.
إنَّ العقيدةَ تقررُ أنَّ "الوجودَ الحقيقيَّ" للمخلوقِ لا يتحققُ إلا بالاتصالِ بمصدرِ الوجودِ (الحيِّ الحقّ).
فالذي يغفلُ عن اللهِ هو في حكمِ العدمِ وإنْ تحرَّكَ بينَ الناسِ بجسدٍ صحيح؛ لأنَّ الحياةَ البيولوجيةَ يشتركُ فيها المؤمنُ والكافرُ والبهيمة، أما "الحياةُ العقديةُ الروحيةُ" فهي التي عرَّفها الإمامُ أبو القاسمِ القشيريُّ (ت: ٤٦٥ هـ) (ركنُ الطريقة)⁽³⁾ بأنها: "الخروجُ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة".
فمن لم يخرجْ من غفلةِ الأسبابِ إلى مشاهدةِ المُسبّب، فهو ميتٌ في ثيابِ حيّ.
توحيدُ الأفعالِ ومزلقُ "الجبرية"..تحقيقُ التوكلِ بلا تعطيلٍ للأسباب
وهنا يا ولدي، نصلُ إلى أدقِّ مسألةٍ عقديةٍ في هذا التوجيه، والتي تحتاجُ منَّا إلى وقفةٍ صارمةٍ وتدبيرٍ احترازيٍّ يحمي القارئَ من الانزلاقِ في الفهم.
يقولُ الشيخُ في عبارتهِ المزلزلة: "باللهِ عليكَ، أنتَ لستَ مسؤولاً عن غدا، الذي أحياكَ قائمٌ عليه..والإنسانُ يقتلُ نفسهُ بسكينِ التفكيرِ في الغد".
احذرْ يا ولدي! إياكَ أن يفهمَ عقلكَ القاصرُ من هذه العبارةِ دعوةً إلى "العقيدةِ الجبريةِ" الباطلة، أو أن تظنَّ أنَّ تفويضَ الغدِ للهِ يعني تركَ العملِ، والقعودَ عن الكسب، وتلبيسَ العجزِ بثوبِ التوكل! حاشا للهِ أن يكونَ هذا مرادَ العارفين.
إنَّ الشيخَ حينَ يخبركَ أنكَ "لستَ مسؤولاً عن الغد"، فإنهُ يخاطبُ (قَلْبَك) لا (جَوَارِحَك)؛ مفرّقاً ببراعةٍ سلفيةٍ بينَ وظيفةِ القلبِ ووظيفةِ البدن، كما أصَّلَ لذلكَ الإمامُ أبو جعفرٍ الطحاويُّ (ت: ٣٢١ هـ) (مُحرّرُ العقيدةِ السلفية)⁽⁶⁾.
إنَّ شريعةَ الإسلامِ وعقيدتهُ تقررُ الآتي بوضوحٍ لا لبسَ فيه:
وظيفةُ الجوارح: هي السعي، والكدح، والتخطيط، والأخذُ بالأسبابِ تعبّداً للهِ وامتثالاً لأمرهِ.
فمن عطَّلَ الأسبابَ وجلسَ في بيتهِ ينتظرُ الرزقَ، فقد عصى الشريعةَ وطعنَ في حكمةِ الخالق.
وظيفةُ القلب: هي السكون، والاعتماد، وتفريغُ الباطنِ من القلقِ، واليقينُ بأنَّ الأسبابَ لا تخلقُ المسبّباتِ بذاتها، بل اللهُ يخلقها عندها.
فمن اعتمدَ بقلبهِ على سعيهِ وذكائهِ وظنَّ أنهُ هو الذي يرزقُ نفسهُ، فقد أشركَ في التوحيد.
إذن، مرادُ الشيخِ هو "إعدامُ القلقِ النفسيِّ" الناشئِ عن منازعةِ اللهِ في خصائصِ الربوبية (التدبير).
فسكينُ التفكيرِ في الغدِ المنهيُّ عنها هي تلكَ التي تقطعُ حبلَ اليقين، وتجعلكَ تتوهَّمُ أنكَ أنتَ "القيُّومُ" على حياتِك! أرحْ جوارحكَ بالعمل، وأرحْ قلبكَ بالتفويض، تكنْ موحداً على الحقيقة.
عقيدةُ الرزقِ المحتومِ وسكينةُ الإيمانِ بالغيب
ويُتوِّجُ الشيخُ هذا البناءَ العقديَّ باستدعاءِ الحديثِ الشريف: «مَنْ بَاتَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ...مَالِكًا قُوتَ يَوْمِهِ، فَقَدْ حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (سنن الترمذي)⁽⁴⁾.
لماذا قيَّدَ النبويُّ الشريفُ الملكَ بـ (قوتِ اليوم) ولم يقلْ "قوتَ السنةِ القادمة"؟ لأنَّ العقيدةَ تقررُ أنَّ "رزقَ الغدِ في علمِ الغيب"، والإيمانُ بالغيبِ ركنٌ ركينٌ.
فالمطالبةُ بضماناتٍ ماديةٍ لرزقِ العامِ القادمِ هي في حقيقتها "اهتزازٌ في عقيدةِ الرزّاق".
انظرْ إلى المعافاةِ في بدنك: إنَّ عدمَ احتياجكَ لجهازِ ضغطٍ أو سكر، بل وحتى انتظامِ أجهزتكَ وأنتَ مريض، هو مشهدٌ من مشاهدِ (توحيدِ الربوبية)؛ حيثُ يُسخّرُ اللهُ لكَ ملايينَ الخلايا لتعملَ بدقةٍ دونَ أن تدفعَ لها أجراً أو تملكَ لها صيانة.
وفي الختام، يتبينُ لنا أنَّ العبورَ إلى العامِ الجديدِ ليسَ احتفالاً زمنياً، بل هو "تجديدُ بيعةٍ عقدية" مع اسمِ اللهِ "الحيِّ"؛ بيعةٌ مقتضاها: أنْ نردَّ الفضلَ إليهِ في أنفاسنا، وأنْ نسلّمَ لهُ القيادَ في غدنا، وأنْ نعلمَ أنَّهُ سبحانهُ لا يردُّ مسألةَ عبدٍ أبداً، ولكنَّهُ بسابقِ علمهِ المحيطِ بأزمنتنا، يوالي علينا الفرصَ؛ لعلَّنا نخرجُ من قبورِ أوهامنا، إلى فضاءِ مشاهدتهِ وتوحيده.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي