Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة التوكل وتوحيد الأفعال: قراءة في أسرار العناية الربانية يوم بدر

مقال عقائدي بليغ مستنبط من درر الدكتور جابر بغدادي، يغوص في أعماق توحيد الأفعال، وحقيقة الأخذ بالأسباب مع صدق التوكل، وكيف تخرق العناية الإلهية نواميس الكون، مع تأصيل دقيق يرد الشبهات ويصحح المفاهيم.

حقيقة التوكل بين الأخذ بالأسباب وتوحيد مسببها أتوجه بالحديث إلى القلوب الباحثة عن اليقين، وأقول: يا ولدي، إن ساحة بدر لم تكن مجرد معركة حربية، بل كانت مدرسة ربانية لتصحيح بوصلة "العقيدة" في قلوب السائرين. لقد أراد سيدنا ومولانا رسول الله أن يُشرّف يوم النصر بتجلية أسمى مقامات العبودية الخالصة، ليكون نبراساً لكل موحد؛ فمن أين يتأتى النصر الحقيقي؟ هنا تتجلى عقيدة "توحيد الأفعال" في أبهى صورها. فاعلم يا ولدي، أننا إذا ركنا إلى الأسباب المادية استقلالاً، واعتقدنا أنها الفاعلة بذاتها، فقد افتقرنا وزلت أقدامنا في شِراك الشرك الخفي، وإذا لجأنا إلى الله واعتمدنا عليه وحده أعزنا. وهنا يجب أن نقف وقفة احترازية بالغة الأهمية؛ كي لا تزل قدم بعد ثبوتها؛ فبعض العقول القاصرة قد تفهم من هذا التوجيه دعوة إلى العقيدة "الجبرية" الباطلة، التي تسلب الإنسان إرادته وتدعوه لترك العمل بحجة أن الأمر كله لله. وهذا فهم سقيم حذرنا منه أئمتنا؛ فالعقيدة السليمة التي خطها أهل السنة والجماعة، والتي تجلت يوم بدر، هي أن إعمال الجوارح في الأسباب ضرورة دنيوية، وتوكل القلوب على مسبب الأسباب فريضة عقدية. فالقاعدة النورانية هنا: "أبدان تعمل وتجتهد، وقلوب تثق فتتوكل". لقد أعد الصحابة العدة وحملوا السيوف، ولكنهم علموا يقيناً أن النصر من عند الله، فلما خافوا من الله حق الخشية، خافت منهم الأشياء طواعية. عقيدة الافتقار والدعاء.. تجلي مقام الدلال وفي أوقات الشدة والكروب، يبرز سلاح من أقوى أسلحة الموحدين، وهو سلاح "الدعاء". والدعاء يا ولدي في ميزان العقيدة ليس مجرد كلمات تُردد، بل هو حالة إيمانية عميقة ينتصر فيها الإنسان على اعتماده على الأسباب المادية، لإقراره الكامل واليقيني بأن مطلوبه ومقصوده إنما هو بيد الله وحده، طوع مشيئته وقدرته. ولما اختمر ذل العبودية والافتقار في بحر المحبة المحمدية الخالصة، أثمر مقاماً أسمى يُعرف بـ "الدلال". ويتجلى هذا المقام بوضوح حينما وقف سيد الموحدين يوم بدر مناجياً ربه قائلاً: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» ⁽¹⁾. وهذا الخطاب العالي لا يقدر عليه أحد، فهو قمة التذلل والانطراح على عتبات الألوهية، وإقرار عقائدي بأن بقاء الدين ونصرته مربوط بمشيئة الخالق جل جلاله، لا بجهد المخلوقين المجرد. خرق العوائد الكونية وإثبات طلاقة القدرة الإلهية ومن أعظم المعاني العقدية التي تجلت في بدر، هو إثبات "طلاقة القدرة الإلهية" وهيمنتها على نواميس الكون. فالكون تحكمه سنن وعادات، ولكن خالق السنن لا تحده سنة. ولما خرق الصحابة الأطهار "العادات النفسية" المألوفة، من التعلق بحب الدنيا والركون إليها، أكرمهم الله بأن خرق لهم "العادات الكونية". فكان إنزال المطر في بدر خرقاً للعادة؛ إذ ينزل في بقعة ليغرق أقدام المشركين، وينزل في البقعة المقابلة ليثبت أقدام الأولياء. وكذلك نزول الملائكة الكرام للقتال؛ فمتى حاربت الملائكة بالسيف من قبل؟ وأين تدربت على فنون الفروسية والمبارزة؟ إن خرق الصحابة لعلائق الدنيا هو الذي جعل الملائكة تخرق عادتها النورية وتتنزل نصرةً لهم. وهذا يؤسس لعقيدة راسخة: أن من أناب إلى ربه واحتمى بحماه، ناب عنه مولاه ورمى عنه، تجسيداً للسر القرآني الأعظم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ⁽²⁾. فأنت تأخذ بالسبب وترمي، والله بمشيئته وقدرته يوصل ويؤثر. أسرار العناية الربانية في مواجهة الجناية البشرية ومن أدق المسائل العقدية التي تتطلب فهماً ثاقباً، هي مسألة استيعاب سعة "العناية الإلهية" لأهل السابقة والصدق، وكيف تبتلع بحار فضل الله خطايا البشر. ففي حضرة هذه العناية الفائقة، تتضاءل الجناية وتذوب، فقد رفعت العناية الإلهية أهل بدر إلى رتبة سنية لا تضر معها زلات الذنوب. ويتجلى هذا المعنى بوضوح في الحادثة العظيمة التي رواها الأئمة، حينما كان النبي يرتب في سرية تامة لفتح مكة، فقام الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة (ت: ٣٠ هـ) (من السابقين البدريين)، وأرسل كتاباً لتبليغ أهل مكة. فلما انكشف الأمر، هب سيدنا عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) (الفاروق الملهم الذي يغار على التوحيد والدين) قائلاً: "دعني أضرب عنق هذا المنافق". لكن المشرع الأعظم ، نظر بعين العناية الواسعة، وأرسى قاعدة عقدية في موازنة فضل الله للمصطفين، فقال: «وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ⁽³⁾. وهذا من أعظم دلال البدريين على الله. وهنا لزاماً علينا يا ولدي أن نقيم الأسوار المنيعة حول هذا المعنى؛ فهذا الحديث الشريف ليس تقريراً لعقيدة الإباحية أو إسقاطاً للتكليف عن أهل بدر، ولا يعني بحال أن المعاصي مباحة لهم، حاشا لله! بل هو إقرار عقائدي بمدى سعة رحمة الله ومشيئته النافذة، وأن الله علم بعلمه الأزلي أن هؤلاء القوم، مهما زلت أقدامهم كبشر، فإن سريرة الإيمان في قلوبهم ستدفعهم لتوبة نصوح تمحو أثر الزلة، أو أن حسناتهم الجليلة التي قدموها للإسلام قد بلغت مبلغاً يغمر أي سيئة تقع منهم. فهو إثبات لفضل الله الذي يؤتيه من يشاء، وليس دعوة للتجرؤ على محارمه. ولأن هذه العناية وهذا الفضل مستمر في أمة الحبيب لم ينقطع بانتهاء بدر، فقد كرر النبي هذا المعنى يوم العسرة، حين بذل سيدنا عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) (ذو النورين وأمير المؤمنين) ماله لتجهيز جيش تبوك، فنظر إليه النبي بعين اليقين وقال كلمته الخالدة: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» ⁽⁴⁾. ليعلمنا أن العقيدة الصحيحة تبنى على حسن الظن بالله، ورجاء سعة فضله لمن حقق صدق المحبة وكمال التوكل.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5