Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الواسطة العظمى وتجلّيات النور المحمدي في فكر الدكتور جابر بغدادي

مقالٌ عقديٌّ تحليليٌّ بليغٌ يستخرجُ دُررَ التوحيدِ من كلامِ الدكتور جابر بغدادي، ويُقرِّرُ عقيدةَ النيابةِ المـُحمَّديَّةِ في البيعة، والردَّ على شبهةِ مساواةِ البشرِ بالنبيِّ ﷺ، مع وضعِ التَّدابيرِ الاحترازيَّةِ الصَّارمةِ لنفيِ عقائدِ الحلولِ والاتحاد.

عقيدة النيابة المحمدية المطلقة وسِرُّ الحصرِ الإلهي
يطرحُ الدكتور جابر بغدادي تساؤلاً عقديّاً يهزُّ أركانَ الفَهمِ السَّطحيِّ، فيقولُ موجِّهاً خطابَهُ للمريد: "بكَفِّ مَن بايعَ اللهُ الورى يا ولدي؟".
إنَّ هذا التَّساؤلَ ليسَ مجرَّدَ استفهامٍ عابرٍ لملءِ الفراغِ الخطابيِّ، بل هوَ مفتاحٌ لولوجِ واحدةٍ من أعمقِ حقائقِ التَّوحيدِ في الإسلام، وهيَ (عقيدةُ النِّيابةِ المـُحمَّديَّةِ المطلقة).
تأمَّلْ معي يا ولدي في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾⁽¹⁾؛ لقد استخدمَ القرآنُ الكريمُ أداةَ الحصرِ والتوكيدِ «إِنَّمَا»، ولم يقلِ الحقُّ سبحانَهُ وتعالى "كأنَّما"، فلو قالَ "كأنَّما" لكانَ في الأمرِ تشبيهٌ أو مجازٌ، ولكنَّهُ أثبتَ الحقيقةَ العقديةَ اليقينيَّةَ: إنَّ مبايعتَهم لرسولِ اللهِ هيَ في حقيقتها وجوهرِها عينُ مبايعتِهم للهِ، على سبيلِ التَّوكيدِ المطلق.
ثمَّ يغوصُ بنا الدكتور جابر في النِّصفِ الثاني منَ الآيةِ الكريمةِ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، ليُثيرَ انتباهَنا بسؤالٍ تنبيهيٍّ بليغ: "لماذا لم يقلْ فوقَ أيديكم؟ أينَ يدُ النَّبيِّ في الكلام؟".
والجوابُ العقديُّ الصَّارمُ: لقد بايعَ اللهُ بها الخلقَ!
وهنا لابدَّ من إرساءِ (تدبيرٍ احترازيٍّ عقديٍّ) في غايةِ الخطورة، حتَّى لا تَزِلَّ قَدَمٌ بعدَ ثُبوتِها؛ فإنَّ غَيبَةَ يدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في النَّصِّ القرآنيِّ وإضافةَ اليدِ إلى اللهِ تعالى، لا تعني بحالٍ من الأحوالِ عقيدةَ (الحُلولِ) أو (الاتِّحادِ) الباطلةَ التي تتنَزَّهُ عنها عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، بل تعني (كمالَ المـَظهريَّةِ والنيابةِ الأتمَّ).
فلقد فنيتْ إرادةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في إرادةِ مُرسِلِهِ، وصارَ في حركاتِهِ وسكناتِهِ وقَبولِهِ للعهودِ نائباً عنِ الحقِّ جَلَّ جلالُه، فكانتْ يدُهُ الشَّريفةُ هيَ الأداةَ المـُباركةَ التي أجرى اللهُ بها بَيعتَهُ معَ البشر.
ولتقريبِ هذا المعنى للْأذهانِ؛ أرأيتَ لو أنَّ مَلِكاً أرسلَ سفيراً ليوقِّعَ عهداً، فإنَّ يدَ السَّفيرِ هيَ التي تُمسكُ بالقلم، لكنَّ الأثرَ القانونيَّ والسياديَّ يقعُ للمَلِكِ وحده، فمَن قَبَّلَ يدَ السَّفيرِ إنَّما وقَّرَ جلالَ المـَلِك، وهذا هوَ الفَهمُ السُّنِّيُّ الصَّافي لقولِهِ تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
الرد العقدي على أوهام المساواة وجفاء الأدب مع الجناب النبوي
ينتقلُ السِّياقُ بعدَ ذلكَ إلى هدمِ تلكَ الشُّبهةِ العقديةِ الكاسدةِ التي يروِّجُ لها أدعياءُ التَّحقيق، حينَ يقفُ أحدُهم بجمودٍ وجفاءٍ ليقول: "أنا مِثلي مِثلُهُ، هوَ بشرٌ وأنا بشر!".
ويردُّ الدكتور جابر بغدادي على هذا الخللِ العقديِّ بمنطقٍ يجمعُ بينَ الحجَّةِ البالغةِ والتبكيتِ المـُستحقِّ، موجِّهاً خطابَهُ للمريد: "أيزعمُ زاعمٌ أنَّكَ مِثلُهُ؟ انظرْ في المرآةِ يا ولدي ...التقطْ لنفسِكَ صورةً وانظرْ ماذا فعلتْ بكَ الذُّنوبُ؟ وإلى أيِّ حَدٍّ أوصلَكَ الإقبالُ على الدُّنيا؟".
إنَّ مساواتَكَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تحتَ ستارِ "حمايةِ التَّوحيد" هيَ في حقيقتها كِبرٌ خفيٌّ؛ تحاولُ فيهِ النَّفسُ المـُلوَّثةُ أن تجذبَ أكملَ خلقِ اللهِ إلى مستنقعِ بشريَّتِها النَّاقصة.
إنَّ العقيدةَ الصَّحيحةَ تُقرِّرُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وإنْ شاركَ البشرَ في أصلِ الطِّينةِ الآدميَّةِ لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ليتحقَّقَ بهِ التَّأسِّي، إلَّا أنَّهُ يفوقُهم في الخصائصِ والصِّفاتِ لقولِهِ في عَقِبِها: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، فهو بشرٌ لا كالبشر، بل هوَ ياقوتةٌ بينَ الحجر.
وتأكيداً لهذا المعنى الثَّابت، يستحضرُ الدكتور جابر شهاداتِ أئمَّةِ السَّلفِ؛ فيَروي عنِ الإمامِ أبي هريرةَ⁽²⁾ (ت: ٥٩ هـ) قولَهُ في وصفِ تلكَ الذَّاتِ المـُحمَّديَّةِ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ»⁽³⁾.
ويُعضِّدُهُ بما رواهُ الإمامُ هندُ بنُ أبي هالةَ التَّميميِّ⁽⁴⁾ (ت: ٣٦ هـ) حينَ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأَلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»⁽⁵⁾.
ثمَّ يتنَزَّلُ الشَّيخُ في الخطابِ معَ الخصمِ تنَزُّلاً جدليّاً بليغاً، فيقول: "هَبْ أنَّ وجهَكَ منيرٌ، وأبيضُ، وقسيمٌ، والناسُ كُلُّها تضربُكَ عليهِ إعجاباً... اقرأْ معي:
عقيدة التجلي الإلهي الأكبر ومقام الحجاب الأعظم
"فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى"
يضعُنا الدكتور جابر أمامَ ميزانٍ عقديٍّ دقيق: وجهُكَ هذا يا ولدي واجهَ مَن؟ واجهَ الدُّنيا، وواجهَ الشَّهواتِ، وواجهَ التُّراب، أمَّا وجهُ سيِّدِنا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقد كانَ مرآةَ انعكاسٍ للتَّجلِّي الإلهيِّ الأكبر.
ولضبطِ هذهِ المـَرتَبةِ العقديةِ، يستشهدُ بقولِ الإمامِ العارفِ باللهِ عبدِ السَّلامِ بنِ مَشيشٍ⁽⁶⁾ (ت: ٦٢٥ هـ) في صلاتِهِ المـَشيشيَّةِ وهو يصفُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "وَحِجَابُكَ الأَعْظَمُ الدَّالُّ عَلَيْكَ"⁽⁷⁾.
وهنا نَضَعُ (تدبيراً احترازيّاً ثانياً) لبيانِ مرادِ العارفينَ من قولِهم "الحجابُ الأعظمُ"؛ فالخالقُ جَلَّ وعلا لا يحجبُهُ شيءٌ عن خلقِهِ، ولكنَّ عقولَ المخلوقينَ وأبصارَهم أعجزُ من أنْ تتحمَّلَ التَّجلِّيَ المـُباشرَ للذَّاتِ العَليَّة، فلو كشفَ الحجابَ «لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
فجعلَ اللهُ سبحانَهُ كمالَ الذَّاتِ المـُحمَّديَّةِ (برزخاً وواسطةً ودليلاً)؛ فهو "حجابٌ" لأنَّهُ مربوبٌ مخلوقٌ لا يشاركُ الخالقَ في ألوهيَّتِهِ، وهو "أعظمُ دالٍّ" لأنَّ أخلاقَهُ وكمالاتِهِ ونورانيَّتَهُ هيَ أسطعُ آيةٍ تدلُّ الورى على عظمةِ الصَّانعِ سبحانَه.فالخلائقُ كُلُّهم في الوراءِ، وسيِّدُنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في صَدْرِ التَّلقِّي، فكيفَ يمدحُ لسانٌ مخلوقٌ وجهاً واجهَ المـَوْلى؟

"فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى"
"أَنوارُهُ سَطَعَت مِنْ نُورِ باريها"
"قِف يا لِسانُ تَغَنَّى فِي شَمائِلِهِ"
"بِالعَجْزِ فِي نُورِ طَهَ وَياسِينَا"
"العُنُقُ مِنْ فِضَّةٍ إِنْ قُلْتَ أَو ذَهَبٍ"
"سَطَعَت لَوامِعُهُ تَبْدُو لَنا عَيْنُه"
"كُحلُ الشُّهودِ لَدى عَيْنَيْهِ مُزْداناً"
"بَلْ أَبْلَجُ طاهِرُ العَيْنَيْنِ ياسينا"
عقيدة الرؤية النبوية لرب البرية ليلة المعراج
ويختمُ الدكتور جابر بغدادي تفريغَ هذهِ الدُّررِ بقمَّةٍ عقديةٍ ساميةٍ، حينَ ينقلُ المقارنةَ منَ الوجهِ إلى العين، فيتساءلُ باستنكارٍ بليغ: "هذا عندما تقولُ وجهُكَ مثل وجهِهِ، و عينُكَ مثل عينِهِ؟".
ويُجيبُ بقاطعةِ التَّوحيد: "عينُهُ رأت ربِّنا!".
إنَّ هذهِ الجملةَ العاميَّةَ البسيطةَ تحملُ في طيَّاتها تقريراً لمسألةٍ من أُمَّهاتِ مسائلِ العقيدةِ الإسلاميَّة، وهيَ (ثبوتُ رؤيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لربِّهِ في يقظةِ الدُّنيا ليلةَ الإسراءِ والمعراج).
وقد تضافرتِ الأدلَّةُ الصَّحيحةُ التي ساقها حَبرُ الأُمَّةِ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ⁽⁸⁾ (ت: ٦٨ هـ) وغيرُهُ من أئمَّةِ السَّلفِ⁽⁹⁾ على إثباتِ هذهِ الخصوصيَّةِ المـُحمَّديَّةِ التي انفردَ بها عن سائرِ الأنبياءِ والمرسلين؛ فإذا كانتِ الرُّؤيةُ في الدُّنيا ممتنعةً في حقِّ البشرِ لضعفِ بُنيتِهم، فإنَّ اللهَ تعالى قد قوَّى بصرَ حبيبِهِ وفؤادَهُ ليلةَ المـِعراجِ حتَّى رأى من آياتِ ربِّهِ الكبرى.
فكيفَ يُسَوِّي عاقلٌ بينَ عينٍ تنظرُ إلى الفانياتِ، وبينَ عينٍ طاهرةٍ كُحِّلتْ بنورِ الشُّهودِ ورأتْ ربَّ الأرضِ والسَّماوات؟

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة ٥ دقائق