Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

أسرار التزكية والسكينة: لماذا لا تزور الملائكة بيتك؟ | فقه السلوك ومجاهدة النفس عند الدكتور جابر بغدادي

يستخرج فضيلة الدكتور جابر بغدادي في هذا المقال الروحاني الجليل أسرار علم السلوك وتزكية النفس من حديث تنزل السكينة، موضحاً للمريدين كيف تطرد الأخلاق المذمومة كأكل الحرام وقطع الأرحام ملائكة الرحمة، مع بيان التفسير العرفاني لحديث الكلب والصورة، وكيف يرتقي السالك بتصفية باطنه وظاهره ليكون بيته وقلبه مهبطاً للأنوار بميزان التصوف السني المعتمد.

التلازم الحتمى بين الشريعة والحقيقة: طهارة الظاهر مرآة لنقاء الباطن
يا ولدي -أنار الله بصيرتك وأقامك في مقامات الإحسان- اعلم يقيناً أن التصوف السني المعتمد، الذي شاده ساداتنا الأئمة الأعلام، لا يعرف الفصام النكد بين ظاهر الشريعة وباطن الحقيقة؛ فالقاعدة الذهبية الراسخة في طریقنا أن "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
إن العبادات الظاهرة والأحكام الفقهية هي القالب النوراني الذي يحفظ روح السلوك والتزكية؛ فمن ظن أن الترقي في مقامات الباطن يسقط عنه تكليفا أو يبيح له التساهل في حدود الشرع، فقد وقع في حبال الشيطان ومكر النفس الأمارة بالسوء.
لقد أسس لنا المظلل بالغمامة، سيدنا ومولانا رسول الله ، ميزاناً سلوكياً دقيقاً حين قال في الحديث الصحيح: «إِنَّ المَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» ⁽¹⁾.
وهنا ينطلق شيخنا ومربينا فضيلة الدكتور جابر بغدادي ليستخرج للمريدين لُباب فقه التزكية؛ فيؤكد لك يا ولدي أن أي شيء يجلب النجاسة إلى بيتك قطعا يمنع الملائكة! ولا يقف الفهم العرفاني عند مجرد قذر طين الأرض، بل ينفذ إلى باطن السلوك ومجاهدة النفس؛ فإن قطع الأرحام نجاسة معنوية ومرض قلبي يمنع الملائكة من البيوت، وأكل المال الحرام آفة تهلك الروح وتمنع الملائكة من البيوت، وأكل الربا الذي يعكس جشع النفس وغفلتها يمنع الملائكة من البيوت.
بل وزد على ذلك آفات الجوارح الصادرة عن ظلمة الباطن؛ فإن الجرأة بالأبصار وإطلاقها على ما لا يليق بالعيون التي خُلقت للشهود ومطالعة أنوار الملكوت يمنع الملائكة من البيوت.
إن مجاهدة النفس في ترك هذه الآفات ليست التزاماً فقهياً فحسب، بل هي عين التزكية التي تطهر جوارحك ليصير بيتك المادي وبيت قلبك محراباً صالحاً لاستقبال ملائكة الطهر والسكينة.
سر الكلب والصورة: التخلية من أمراض القلوب وكسر أصنام الأغيار
تأمل معي يا ولدي بنور البصيرة الذوقية، ولنتساءل متفكرين في أسرار التربية النبوية: لماذا منع الشرع الشريف الكلب والصورة في بيوت المؤمنين وجعل وجودهما طارداً لرحمة السماء؟ إن الصورة في ذاتها جماد لا حراك له، والكلب حيوان بهيم من خلق الله؛ فلماذا رتب أهل السلوك على هذا الحديث إشارات باطنية عميقة؟ هنا يفتح لنا الدكتور جابر بغدادي خزائن التربية الروحية؛ فيبين أن الكلب والصورة في ذاتهما لم يفعلا شيئاً لأحد، ولكن ساداتنا العلماء العارفين استنبطوا المقاصد السلوكية فقالوا إن "الصورة" مُنعت لأنها تمثل في علم التزكية رمزاً لـ (الغير)، وإشارة إلى (الأغيار)، وأما "الكلب" فقد مُنع من أجل الحفاظ على (الطهر) ومجانبة النجاسة.
يا ولدي، إن المقصد السلوكي الأسمى من هذا المشهد هو تطبيق قانون أهل السلوك الخالد: "التخلية قبل التحلية"؛ فالصورة تشير إلى تعلق القلب بغير الله تعالى، وانطباع شهوات الدنيا وأوهام الجاه والمناصب في مرآة فؤادك حتى تصير أصناماً خفية تُعبد من دون الله حباً وتوكلاً.
إن القلب خُلق ليكون عرشاً للتوحيد ومحلاً لشهود المكون سبحانه، فإذا حُجب بالأغيار وعلل الرياء وحب الظهور، منع تنزل ملائكة الإلهام.
وقد نطق الإمام تاج الدين أبو الفضل ابن عطاء الله السكندري (ت : ٧٠٩ هـ) (ترجمان الأولياء وركن الطريقة الشاذلية) بهذا السر السلوكي الخالد حين قال: "كَيْفَ يُشْرِقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأَكْوَانِ مُنْطَبِعَةٌ فِي مِرْآتِهِ؟" ⁽²⁾.
فكل شيء يشير إلى غير الله في بيتك وقلبك -وذلك هو لب التماثيل التي تشغل عن المنعم- وكل ما يشير إلى الغيرية في دارك يمنع الملائكة.
وأما النجاسة التي يمثلها الكلب في ميزان التزكية العملية، فهي الأخلاق السبعية المذمومة وأمراض القلوب المهلكة؛ فالغضب المذموم كلب عقور يمزق أواصر المحبة، والحسد كلب ينبح في ظلمات الصدر، والغل والكبرياء والعُجب أعمال نجسة تدنس فضاء القلب.
وقد أشار الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت : ٥٠٥ هـ) (حجة الإسلام ومجدد القرن الخامس) إلى هذا السر العرفاني حين بين أن القلب منزل للملائكة، وأن الصفات الذميمة كالغضب والشهوة والحسد والكبر هي كلاب معنوية نابحة؛ فكيف تدخل ملائكة الإلهام والرحمة بيتاً شُحن بالكلاب المسعورة؟ ⁽³⁾.
فجاهد نفسك يا ولدي واغسل فؤادك بدموع الانكسار والتوبة لترتقي من ظلمة النفس الأمارة إلى أنوار النفس المطمئنة.
سر قيام الليل وسورة الكهف: الدفاع عن مشروعية الكرامات وأسرار التلاوة
ولنعبر يا ولدي من رحاب التخلية ومجاهدة الآفات إلى أنوار التحلية وأسرار المشاهدة؛ فلنتأمل ما رواه أهل الحديث والسلوك عن سيدنا أُسيد بن حُضير رضي الله عنه (ت : ٢٠ هـ) (أحد نقباء الأنصار وساداتهم العظام) حين جاء ليقص على النبي واقعة ذوقية حدثت له في خلوته، فقال: يا رسول الله، كنت أقرأ سورة الكهف في صلاتي في جوف قيام الليل، وإذ بسحابة نورانية قد أظلتني ودنت مني! فماذا كان التوجيه النبوي والتربوي لسيد الخلق ؟ لقد أقر الحقيقة العرفانية بلفظ صريح لا ريب فيه قائلاً: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ» ⁽⁴⁾، وفي رواية أخرى تبين سر هذا المشهد الملكوتي: «تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لا تَتَوَارَى مِنْهُمْ» ⁽⁵⁾.
إن هذا الحديث الشريف يمثل أصلاً سلوكياً وعقدياً راسخاً عند أهل التصوف السني في الدفاع العلمي عن مشروعية "كرامات الأولياء والصالحين" وأسرار الأوراد؛ فالنبي سمع حكاية تنزل السحابة ورؤية الأنوار الملكوتية لولي من أوليائه ولم ينكرها ولم يعتبرها شطحاً أو وهماً، وهذا يرد رداً أكاديمياً مفحماً على المتنطعين والفهم الجاف لمنكري التصوف الذين يرمون أهل السلوك بالبدعة ويدعون انقطاع الكرامات.
إن الكرامة حق، وهي ثمرة المتابعة الصادقة للمصطفى وطهارة السريرة؛ فما دامت الأمة تقرأ كتاب ربها بصفاء قلب وتجرد عن الهوى، فإن ملائكة السكينة تتنزل على مجالس ذكرها وبيوتها حقيقة لا مجازاً، شهوداً وإكراماً من الرب الوهاب لعباده السالكين.
"صدق الله وكذب بطن أخيك": تشخيص آفات المريد وتفقد الوعاء الباطني
وهنا يطرح الدكتور جابر بغدادي تساؤلاً سلوكياً عميقاً يثور في أذهان الكثيرين من السالكين: "إننا نقرأ سورة الكهف في بيوتنا، ونحافظ على الأوراد صباح مساء، فلماذا لا تتنزل علينا سحابة السكينة؟ ولماذا نرى البيوت مفعمة بالشياطين والوحشة والنزاع؟ هل العيب في الأوراد؟" معاذ الله! هنا يرشدك المربي الرصين إلى عدم اتهمام الورد الشرعي أو الشك في الوعد الإلهي، بل يقول لك الشيخ موجهاً: ارجع إلى بيتك، فلربما كذّب بيتك وصدّق القرآن!
إن هذا التوجيه التربوي يستند إلى أصل نبوي وطبي راسخ في السنة المطهرة؛ حيث جاء رجل إلى النبي يشكو أن أخاه يشتكي بطنه، فأمره أن يسقيه عسلاً عملاً بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ⁽⁶⁾، فرجع الرجل يقول: "يا رسول الله، سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً"، فقال له الصادق المصدوق بتأكيد اليقين: «صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» ⁽⁷⁾.
قال أئمة السلوك في فقه هذا الحديث إن العلة كانت في امتلاء بطن المريض بالأخلاط الفاسدة التي منعت قبول الدواء فوراً، وليس في العسل! وكذلك الحال في فقه السكينة وتربية النفوس؛ فالقرآن هو القرآن بنوره وبركته، ولكن السكينة تريد بيتاً نظيفاً! فإذا قرأت القرآن ولم تجد البركة، فراجع الفلوس! راجع فلوسك، ربما تكون القرشين اللذين كسبتهما وأدخلتهما بيتك من مال حرام أو ربا! راجع الظلم في فقه معاملاتك، راجع قلبك، وراجع جيبك؛ هتلقى أن هذه المعاصي والنجاسات المعنوية هي الموانع الحقيقية التي تحجب نزول السكينة على بيتك.
تدبير سلوكي احترازي: التوازن بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على المسبب
يا ولدي، وحتى لا يميل بك الفهم إلى شطط يخالف أصول فقه السلوك والتزكية، وجب علينا التنبيه التربوي والتحذير الاحترازي من الظن بأن التوجيه إلى طهارة القلب ومراجعة المال الحرام يعني "تعطيل الأسباب الفقهية والعملية الظاهرة" أو الركون إلى الدعة وترك السعي! فبعض السالكين قد يقتطع كلام الشيخ فيظن أن علاج الأمراض أو حل الأزمات ينحصر في الأوراد والذكر وحدهما دون الذهاب للمتخصصين أو السعي في الأرض، وهذا فهم سقيم يخالف ميزان الشريعة الغراء الذي ضبطه ساداتنا كالإمام أبي القاسم الجنيد البغدادي (ت : ٢٩٧ هـ) (سيد الطائفة وإمام السالكين).
اعلم يقيناً أن التصوف السني المعتمد يوجب عليك الجمع بين الشريعة والحقيقة؛ فيجب عليك التداوي بالأسباب المادية المشروعة كالعسل والطب الحديث، ويجب عليك السعي في طلب الرزق الحلال وتنظيف بيتك من النجاسات الحسية الظاهرة، ولكن مع التنبيه السلوكي الأعمق إلى أن هذه الأسباب الظاهرة لا تؤتي ثمارها المباركة ولا تتنزل معها السكينة إلا إذا طهرت باطنك ومالك من الحرام والظلم وقطع الأرحام والجرأة بالأبصار.
فالقرآن شفاء وسكينة، والأسباب الشرعية باب للعافية، ولكن الوعاء النجس بالربا وأكل الحرام وأمراض القلوب لا يقبل النور ولا تحله البركة.
فاجعل مجاهدتك ظاهراً وباطناً؛ طهر جيبك من الحرام، وصل رحمك، وغض بصرك، واغسل فؤادك من الحسد والكبر، ليكون محل سكناك وقلبك محراباً طاهراً تتنزل فيه سكينة القرآن وتغشاه ملائكة الرحمن في فضاء الإحسان والمشاهدة على الدوام.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 15 دقيقة