إلى القلوب المتعبة من البلاء: أسرار التسليم ومقامات الرضا في مدرسة التصوف السني
يا ولدي، اعلم أرشدك الله لطاعته، أن طريق السلوك إلى رب العالمين ليس مفروشا بالورود، بل هو ميدان لتمحيص القلوب وصدق النوايا. وفي خضم هذه الحياة المليئة بالمتناقضات، يعاني الكثيرون من غفلة النفس وضيق الصدر عند نزول الابتلاءات، فتتسلل إليهم أمراض القلوب من العجب والغفلة والاعتراض الدفيء على أحكام الله. وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى "علم السلوك والتزكية" لتطبيب هذه الجراح، وللترقي من وهدة "النفس الأمارة بالسوء" التي تنازع الأقدار، مرورا بـ "النفس اللوامة" التي تحاسب ذاتها، وصولا إلى ساحة "النفس المطمئنة" التي رضيت عن الله فرضي عنها. ومن بديع ما يلخص هذا المنهج، ما تفضل به سيدي ومولاي الدكتور جابر بغدادي في درسه الماتع، حين وضع يده على الجرح النازف في قلوب العوام قائلا: "الدنيا مش للصالحين يا ابني. الناس اللي منهم بيقعد طول النهار: ليه كده يا رب؟ هو هنفضل في البلاء ده لحد امتى؟". هذا التساؤل المليء بالحرقة يعكس غياب الفهم عن الله، فمن أراد الراحة التامة في دار التكليف والمكابدة فقد طلب محالا. إن الرب جل جلاله له حكمة بالغة في المنع كما له حكمة في العطاء، والسالك الصادق هو من يرى كمال مراد الله في كليهما. يا ولدي، إن من أرسخ قواعد التصوف السني المعتمد أن الشريعة والحقيقة صنوان لا يفترقان، فلا يمكن أبدا أن ندعي مقاما باطنيا يخالف أمرا ظاهرا من الدين. وقد سطر لنا سيدي الإمام الجنيد البغدادي ⁽¹⁾ دستورا نيرا حين قال: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة". لذا، فإن مقامات السلوك كالزهد والرضا والتسليم ليست دعوة للتكاسل أو إسقاطا للتكليف، بل هي روح العبادة ولبها. إن العبد الحقيقي هو المسلم لحكم ربه، بحيث يستوي عنده المدح والذم، والعطاء والمنع، والصحة والسقم. فالسقم بلاء ظاهره المشقة وباطنه التطهير، وإذا أعطانا الله شكرنا، وإذا منعنا علمنا أن عينه ترعانا وأن هذا المنع هو عين العطاء. ولعلاج مرض الاعتراض الذي يفتك بقلوب الغافلين، ينبغي أن نتعلم مقام التسليم الكامل، وهو أن لا ننازع الله إرادته، ولا نقول متى وكيف ولماذا. وقد حسمت الشريعة المطهرة هذا الأدب في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ⁽²⁾. فأين الصبر الجميل؟ وأين الاستسلام لمشيئة من بيده ملكوت كل شيء؟ الم يقرأ المعترضون قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ⁽³⁾. استمع يا ولدي إلى هذا الاستنباط العبقري الذي يذكره الدكتور جابر في المقارنة بين الهجرة النبوية ورحلة الإسراء والمعراج. في رحلة الهجرة، استغرق الطريق ثمانية أيام من التعب والتخفي مع أن العدو كان يطارد الحبيب المصطفى. بينما في ليلة الإسراء والمعراج، لم يكن هناك عدو يطارد، ومع ذلك قطع النبي مسافات تتجاوز القوانين الأرضية في أقل من دفء الفراش. ما الحكمة التربوية من ذلك؟ الحكمة أن الله أراد أن يثبت في ليلة الإسراء أن محمدا عبد، والعبد في مشيئة مولاه "كريشة في فلاة". إنها رسالة لنا جميعا: عندما تعمل قوانين الله المطلقة وتتجلى مشيئته النافذة، تتلاشى كل الأسباب الأرضية. هذا هو مقام الإحسان ⁽⁴⁾ الذي يمثل جوهر التصوف؛ أن تعبد الله مستسلما لإرادته. ولذلك ينشد العارفون في حب الله: "وشرط الهوى فيكم فناء الإرادة" ⁽⁵⁾. فالمحب الصادق لا يحب تعجيل ما أخر الله، ولا يحب تأخير ما عجل الله ⁽⁶⁾. هو راض بما قسمه مولاه، ومستسلم تسليما كاملا. وحين نرى من ينكر على الصوفية مصطلحاتهم في الحب الإلهي والتسليم المطلق، نذكره بأن هذا هو عين امتثال أمر الله بتزكية النفوس. إن الصدق مع الله ليس في نيل حظوظ الدنيا، بل كما أخبرنا القرآن الكريم عن الرجال الصادقين: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ⁽⁷⁾. لم يقل القرآن أن الصادقين حيزت لهم الدنيا بأسرها، بل بيّن أن الصدق قد يتبعه شهادة أو انتظار صابر في البلاء دون تبديل أو تغيير. خلاصة القول يا ولدي، إن سر الطمأنينة يكمن في التسليم. فبالتسليم، متى رأيت الله في الكل فاعلا، رأيت جميع الكائنات ملاحا. اجعل قلبك معلقا بخالقه، ولا تلتفت للوساوس والاعتراضات، واصحب أهل الصلاح والذكر، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وبصحبتهم تبرأ أمراض القلوب وتشرق شمس المعرفة في ظلمات النفوس.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (في مقامات التسليم: كيف يطمئن قلبك في أودية البلاء)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (إلى القلوب المتعبة من البلاء: عقيدة التسليم ورؤية الله فاعلاً في ضوء توجيهات الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (إلى القلوب المتعبة من البلاء: فقه التسليم وفناء الإرادة في الله للشيخ جابر بغدادي)الشريعة
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (أنواع الناس في الهجرة)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (إلى القلوب المتعبة من البلاء: كيف أطمئن وأسلم لقضاء الله؟)الأسئلة
الشيخ جابر بغدادي
