Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية
تزكية وتصوف

مقامات التزكية الرمضانية: أسرار صيانة الجوارح وتصفية القلوب لسماع نداء الغيب

مقال روحي بليغ يستلهم توجيهات الدكتور جابر بغدادي في علم السلوك، موضحاً أسرار التزكية الرمضانية بالجمع بين إحكام الشريعة وتصفية الحقيقة، وعلاج أمراض القلوب للترقي من الغفلة إلى مقام الإحسان بأسلوب أبوي دافئ.

استمع لمقال: مقامات التزكية الرمضانية: أسرار صيانة الجوارح وتصفية القلوب لسماع نداء الغيب

0:000:00

إليك يا ولدي، نبضاتٌ من نور، وقبساتٌ من علم السلوك والتزكية، أستلهمها لك من فيوضات المربي الفاضل الدكتور جابر بغدادي. فاعلم، أرشدك الله لرضاه، أن طريق السير إلى الله لا يستقيم إلا بجناحين: شريعةٌ محكمة، وحقيقةٌ مصفاة. وقد أرسى أئمة التصوف السني المعتمد قاعدتهم الذهبية التي لا نحيد عنها: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة". ومن هذا المنطلق الأصيل، نستقرئ وصايا الشيخ لنجعل من صيامنا معراجاً تترقى فيه أرواحنا من دركات "النفس الأمارة بالسوء" إلى رحاب "النفس المطمئنة". إحكام الفرائض: صمام الأمان وبوابة السلوك يا ولدي، قد ينخدع بعض السالكين في بدايات الطريق، فيتعلقون بالنوافل والأوراد متناسين عِظم الفرائض، وهذا من دسائس النفس ومكايد الشيطان. لذا، وضع الشيخ جابر بغدادي ميزان الشريعة في نصابه الأوفى حين قال مبدئياً: "اذا كان الصائم يريد أن يأخذ برنامج عمل يتحقق به الصوم، ويتحقق بصومه المحافظة الكاملة على الـ ٣٠ تراويح، فعليه المحافظة الكاملة على الـ ٣٠ فجر والـ ٣٠ عشاء". إن التصوف السني الحقيقي هو عين "مقام الإحسان"، ولا إحسان بغير إسلام وإيمان يحرسانه. وقد استند الشيخ في هذا التوجيه إلى المنهل النبوي الصافي الذي أخرجه الإمام مسلم (ت: ٢٦١ هـ) (إمام المحدثين وحجة الإسلام)⁽¹⁾ في فضل صلاة العشاء والفجر في جماعة. فلا تظنن يا بني أن طريق القوم مبني على الدروشة أو إسقاط التكاليف، بل هو كمال الالتزام، وشدة الحرص على مرضاة الله في كل فريضة، ثم التزين بالنوافل كصلاة التراويح لتكون صيانةً وترميماً لما قد يخدش الصوم. صيانة الجوارح وعلاج أمراض القلوب إن أردت يا ولدي أن تتذوق حلاوة القرب، فاعلم أن "شرط الصوم صون، من لا صيانة له فقد هتك صومه". هكذا لخص المربي دواء القلوب. فالغفلة، والرياء، وحب الظهور، والانشغال بملهيات العصر، هي أمراضٌ تفتك بروحانية السالك. يوجهنا الشيخ بضرورة المقاطعة الروحية لمنابع الغفلة: "نقفل القنوات والصفحات اللي جايبة علينا...". وهنا تبدأ مجاهدة النفس؛ أن تعاهد ربك مع إطلالة هلال الشهر: "يا رب أعاهدك ألا أعصاك وأستمطر عونك على الطاعة". إن استمطار العون هو شهودٌ لافتقارك، وعلاجٌ ناجع لداء العُجب والكبر؛ فالسالك لا يغتر بصيامه ولا بقيامه، بل يرى الفضل كله لله الممد. وإن ضاقت بك السبل، فالزم الصلاة على سيدنا رسول الله ، فإنها طب القلوب، وبابٌ مفتوح للوصول إلى حضرة القبول. تصفية الأسماع وتجليات نداء الغيب ويغوص بنا الشيخ في أعماق التجربة الذوقية، مدافعاً عن قضية "الإلهام" و"السماع الروحي" التي قد ينكرها بعض المتنطعين ممن وقفوا عند قشور النصوص وجمدت أفهامهم. يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) (الحافظ المتقن وصاحب السنن)⁽²⁾: «وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل». يتساءل الشيخ ليوقظ القلوب: "كيف أسمع؟". يا بني، إن الأذن التي تلطخت بوحل الغيبة والنميمة، محجوبةٌ عن التقاط إشارات السماء. يعلمنا الشيخ العلاج: "فضي ودنك من وقر الغيبة والنميمة... صفوا آذانكم القالبية والقلبية لسماع الندا". السمع "القالبي" هو ترك المحرمات الظاهرة، والسمع "القلبي" هو تفريغ القلب من كل ما سوى الله. حينها تتنزل السكينة، وتسمع الروح صدى النداء: "أقبل معناه أنا عايزك تعال". وهذا هو لب التصوف السني المعتدل؛ أن تكون الجوارح موصولة بالسماء، تنفعل بأوامر الحق وتتلقى منه. مجاهدة النفس بالبذل وكف الأذى ولكي يكتمل معراج التزكية، لخص الشيخ منهاج المعاملة مع الخلق والخالق في قاعدة سلوكية بليغة: "يا سعادة من أدركته العناية، ففك كفه وكف فكه". إن النفس جُبلت على الشح وحب الكلام، وعلاجها الناجع في مقام التزكية هو مخالفة هواها؛ بأن تبسط كفك بالعطاء وإكرام الفقراء، وتكف فكك عن الخوض في أعراض الناس. فاحذر يا ولدي من محنة الغفلة، فقد ورد الوعيد الشديد فيمن أدرك رمضان ولم يُغفر له⁽³⁾. لا تجعل الزمان يتحول إلى محنة نكدة، وضيقٍ في الصدر. بل صاحب القرآن، واستأنس بالرحمن، واستر المحتاجين، لتتحقق فيك معاني العبودية الحقة، وترتقي في مراتب السالكين إلى رب العالمين.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي