أسرار العقيدة في الوصايا الرمضانية: بين العناية الإلهية واستمطار العون في توجيهات الدكتور جابر بغدادي
استمع لمقال: أسرار العقيدة في الوصايا الرمضانية: بين العناية الإلهية واستمطار العون في توجيهات الدكتور جابر بغدادي
إليك يا ولدي، بياناً عقدياً رصيناً، نستلهمه من فيوضات وتوجيهات المربي الدكتور جابر بغدادي، لمن أراد أن يأخذ ببرنامج عمل يتحقق به الصوم ظاهراً وباطناً. فإن المتأمل في هذه الوصايا الرمضانية لا يرى فيها مجرد أحكام فقهية جافة، بل يلمح بين طياتها أصولاً عقدية راسخة، تؤسس لعلاقة العبد بربه في مواسم النفحات، وتضبط ميزان الاعتقاد بين حرية الإرادة وكمال الافتقار إلى الله. عقيدة استمطار العون وتوحيد الأفعال لقد لخص الشيخ منهاج الاستقبال لرمضان في عبارة عقدية دقيقة حين قال: "أول ما يقولوا رمضان قول: يا رب أعاهدك ألا أعصاك وأستمطر عونك على الطاعة". إن في هذه الكلمات يا ولدي، تلخيصاً بليغاً لعقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة "أفعال العباد". فالعبد حين يقول "أعاهدك"، فإنه يثبت لنفسه إرادة وقصداً وكسباً، مقرراً بذلك مسؤوليته الكاملة عن اختياراته، نافياً بذلك عقيدة "الجبرية" الباطلة التي تسلب العبد إرادته وتدعي أنه كالريشة في مهب الريح لا حول له ولا مشيئة. ولكن، سرعان ما يتبع الشيخ هذا العهد بقوله "وأستمطر عونك"، ليعصم قلب السالك من الغرور ورؤية النفس، وينفي عقيدة التفويض الخاطئة التي يظن أصحابها أنهم يستقلون بأفعالهم دون مدد الله. فالتوفيق للطاعة، كالمحافظة الكاملة على الثلاثين صلاة فجر، والثلاثين عشاء، والثلاثين تراويح، لا يتحقق إلا بمدد من الخالق سبحانه. فاستمطار العون هو شهود لافتقار العبد التام، وإقرار بأن الفضل كله لله، فما طاعتنا إلا محض توفيقه، وما صيامنا إلا بجميل ستره وإعانته. عقيدة الوعد وتصديق المنن الربانية إن الإيمان بوعد الله الحق هو من صميم العقيدة، وقد وجهنا الشيخ إلى تصديق هذا الوعد حين قال: "عندما يقال رمضان افتح المصحف لأن باب الجنة مفتوح... واختم القرآن وصلي التراويح كل يوم في المسجد". ويستند في ذلك إلى يقين عقدي بأجر الجماعة الموعود به في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم ⁽¹⁾: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله». ويؤكد الشيخ على هذا الوعد الإلهي بالمغفرة بقوله: "من قام رمضان زي من صام رمضان، التراويح دي معناها إن أنت ضمنت إن الله يغفر لك، وضمنت إن ده يرقع الصيام لو في حاجة بوظته". هذا "الضمان" الذي يتحدث عنه الشيخ ليس تألياً على الله، حاشا وكلا، بل هو حسن ظن بالله العظيم، وتصديق جازم بوعد رسوله ﷺ، واعتقاد بأن النوافل تجبر نقص الفرائض بفضل من الله وكرمه؛ فالقيام صيانة للصيام، وشرط الصوم صون، ومن لا صيانة له فقد هتك صومه. الإيمان بالغيب ونداءات العناية الإلهية ومن أركان العقيدة التي تبرز جلية في هذا التوجيه؛ الإيمان بالغيب وما أودعه الله في الزمان من أسرار. يقول الشيخ: "ونادى منادي آخر كيف أسمع؟ عشان تسمع اليومين الجايين دول اعملهم صدقة... وصفوا آذانكم القالبية والقلبية لسماع الندا ما يقال أقبل معناه أنا عايزك تعال". وهذا استناد صريح إلى حديث نداء الغيب في رمضان الذي أخرجه الإمام الترمذي ⁽²⁾. إن هذا النداء حقيقة غيبية نؤمن بها، ولا ينفيها إلا من قست قلوبهم وحُجبت بصائرهم. ويقرر الشيخ هنا قاعدة عقدية وسلوكية؛ وهي أن المعاصي كالغيبة والنميمة تكون "وقراً" وحجاباً يمنع الروح من إدراك الحقائق الغيبية. ولتتصل الروح بعالم الغيب، لابد من تصفية الأسماع وإغلاق القنوات والصفحات المشتتة، والمسارعة بتجويد الصدقات وإطعام الطعام وإكرام الفقراء. عقيدة العناية الإلهية وتجلياتها يقول الشيخ بعبارة تقطر يقيناً: "يا سعادة من أدركته العناية، ففك كفه وكف فكه". إن العناية الإلهية متى ما سبقت للعبد، هيأت له أسباب الطاعة وعصمته من الزلل. فمن بسط كفه للعطاء لوجه الله، وحبس لسانه عن لغو الكلام واكتفى بذكر الله، فليعلم يقيناً أن هذه الأفعال الصالحة ليست منتهى كماله الشخصي، بل هي علامة ساطعة على أن "العناية" قد أدركته، وأن الله قد اصطفاه ليكون من المقبولين. الإيمان بالوعيد والحذر من مكر الزمان وكما نؤمن بالوعد نؤمن بالوعيد، فينتقل الشيخ محذراً من عقوبة الغفلة في مواسم التجلي: "كفانا غفلة ليه؟ لأنه قال: خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له" ⁽³⁾. إن الزمان الذي خصه الله بالفضل قد يتحول إلى نقمة وعذاب إن أُهمل. فإذا مر علينا رمضان ثلاثين يوماً دون أن نحصل هذه المنحة الربانية، فإن الزمان يتحول إلى "محنة نكدة"، ويورث العبد خسراناً وضيقاً في الصدر والرزق. فيا ولدي، خذ بوصية المربي واجعلها لك عقيدة ومنهاجاً: "صاحب القرآن واستانس بالرحمن، واتضرعوا إلى الله كثيراً، وأكرموا الفقراء، وأسعدوا الضعفاء، واستروا المحتاجين"، ففي هذه الملازمة والأنس بالله يكمن سر النجاة، وتحقيق كمال الافتقار الذي هو لب العبودية وجوهر العقيدة الصافية.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الوصايا الرمضانية الخمس: خماسية النور وحفظ الجوارح في شهر الصيام)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (الفقه الرمضاني وأحكام الصيانة الكاملة للصوم من توجيهات الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات التزكية الرمضانية: أسرار صيانة الجوارح وتصفية القلوب لسماع نداء الغيب)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي والروحي للوصايا الرمضانية الخمس)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أحافظ على صلاة التراويح وكمال الصيام في رمضان دون فتور؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (لماذا لا أسمع نداء الغيب في رمضان وكيف أصفي قلبي لاستقبال النفحات؟)الأسئلة
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (كيف أنجو من خسران رمضان وأتجنب تحول منحة الزمان إلى محنة ونكد؟)الأسئلة
الشيخ جابر بغدادي
