Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه الرضا والتسليم: عندما يكون العوض هو الله (قراءة فقهية وعقدية في توجيهات د. جابر بغدادي)

مقال تفصيلي يستنبط معاني الفقه وعقيدة أهل السنة والجماعة من توجيهات الدكتور جابر بغدادي، يشرح فقه الرضا والتسليم لله، ويحذر من عقيدة الجبرية، مع بيان السر البلاغي والفقهي في حديث الهجرة، وكيف يكون ترك الهوى سبيلاً لنيل معية الله.

استمع لمقال: فقه الرضا والتسليم: عندما يكون العوض هو الله (قراءة فقهية وعقدية في توجيهات د. جابر بغدادي)

0:000:00

إن من أرفع درجات الفقه في الدين، هو "فقه القلوب" الذي يُترجم مرادات الله تعالى في أفعال العباد، وينقل المسلم من حظوظ نفسه ومطالب هواه إلى رحاب التسليم المطلق لمراد سيده ومولاه. وفي هذا السياق الرصين، تتجلى توجيهات الدكتور جابر بغدادي كمنارات فقهية وعقدية تضبط بوصلة السالكين، وتصحح المفاهيم التي قد تلتبس على العوام والخواص على حد سواء. يناقش هذا المقال معاني الفقه المستنبطة من حديث الدكتور جابر، مؤصلاً إياها بالقواعد الشرعية، ومحذراً من المزالق العقدية التي قد تفهم خطأً من ظاهر الكلام، لنصل إلى الفهم الصحيح لـ "فقه الرضا والتسليم".

### أولاً: فقه التعامل مع الأقدار (بين الأخذ بالأسباب والرضا بالنتائج) يضرب الدكتور جابر بغدادي أمثلة واقعية تلامس حياة كل إنسان، ليوضح من خلالها قاعدة فقهية وعقدية كبرى، فيقول: "كل واحد عايز حاجة جت له حاجة غيرها هيموت على اللي فاته، نقدم في كلية تجيلنا كلية غيرها، أروح أقول نفسي في ولد تجيني بنت، بتقول نفسي أشتغل دكتور يطلعوني مهندس". هذا التصوير الدقيق لحال الإنسان يعالج قضية "التعلق بالنتائج". فمن الناحية الفقهية والعقدية، أمرنا الله سبحانه وتعالى بـ "الأخذ بالأسباب" كجزء من التعبد، ولكن النتائج هي محض مشيئة الله. يقول الدكتور جابر موجهاً: "لما تلاقيها زرعتها حاجة طلعت حاجة غيرها ما تزعلش، على طول ارجع اقرأ سورة الواقعة، واقرأ قول الله: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾⁽¹⁾".

**تدبير احترازي عقدي (نفي عقيدة الجبرية):** يجب أن نقف هنا وقفة حاسمة لضبط المفهوم؛ إن توجيه الشيخ بعدم الحزن والرضا بما قسم الله، لا يعني أبداً الدعوة إلى "عقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب الإنسان إرادته وتدعوه لترك العمل والتواكل. بل إن مذهب أهل السنة والجماعة يقتضي أن العبد مأمور بـ "الحرث" (أي الأخذ بالأسباب والمذاكرة والعمل والسعي)، فإذا أدى ما عليه واستنفد الأسباب، ثم جاءت النتيجة على غير مراده، فهنا يتدخل "فقه الرضا"، ليعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه. قال الإمام النووي (ت: ٦٧٦ هـ) (محيي الدين، وشيخ مذهب الشافعية في زمانه) في شرحه لأحاديث القدر: "مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده... وأن العبد مأمور بالسعي، منهي عن العجز"⁽²⁾.

### ثانياً: أركان الأدب مع الله في فقه القلوب يؤسس الدكتور جابر بغدادي لقاعدة فقهية روحية جامعة تتلخص في قوله: "لأن الأدب مع الله يقتضي أن تشكر النعمة، وتقنع بالحكمة، وترضى بالقسمة، وتحفظ الحرمة". هذه الكلمات الأربع هي تلخيص دقيق لفقه العبودية:

1. **تشكر النعمة:** وهو فقه الاعتراف للمنعم، قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾⁽³⁾.

2. **تقنع بالحكمة:** وهو فقه اليقين بأن الله عليم حكيم لا يخلق شيئاً عبثاً.

3. **ترضى بالقسمة:** وهو ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر.

4. **تحفظ الحرمة:** وهو فقه المراقبة واجتناب النواهي.

ويضيف الدكتور جابر توجيهاً عميقاً: "الصّدر اللي اختاره لك ربنا تشتغل عليه وتشتغل فيه، لو رضيت بيه يتحول لجنة، التسليم يقتضي أنك لا تنازعنا الاختيار". وهذا هو الفقه الصحيح؛ أن تجعل طاعتك لله في المكان الذي أقامك فيه، لا في المكان الذي تتوهمه.

### ثالثاً: فقه الهجرة (الخروج من المرادات إلى مراد الله) ينتقل الدكتور جابر إلى استنباط حكم فقهي وبلاغي بديع من حديث النبي . يقول الشيخ: "الهجرة الحقيقية هي الخروج من مراداتك لمراد سيدك... صدقني أنت هجرت إلى الله والعوض هو الله".

ثم يشير إلى حديث النيات الشهير، ويستنبط منه لطيفة فقهية عالية الدقة: "عملنا على رضاك، ﴿فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته﴾ ما ذكرش جزاء، كان المفروض يقول: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فله الجنة، صح؟ بس ما ذكرش الجنة، قال: ﴿فهجرته إلى الله ورسوله﴾". ويفسر الدكتور جابر هذا السر البلاغي والفقهي قائلاً: "اللي يهاجر دخله الجنة، أنت سبت عشاننا سنعطيك ما تركت على قدرك ونكرمك على قدرنا، ولذلك ما أرضيش أحدد الجزاء عشان هنديك على قد اللي سبته، فتركك على قدرك وعوضنا على قدرنا".

هذا الاستنباط يوافق تماماً كلام أئمة السلف المعتبرين. فقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث) في شرحه لهذا الحديث أن من البلاغة النبوية عدم ذكر الجزاء صراحة هنا؛ لأن الهجرة إلى الله ورسوله غاية الغايات، فمن كانت هجرته إليهما فاز بمعيتهما، وهي أعظم من مجرد ذكر الجنة، فالجزاء من جنس العمل، والمكافأة على قدر المعطي وهو الله جل جلاله⁽⁴⁾.

### رابعاً: فقه الورع وترك الحرام (التطبيق العملي) حتى لا يكون الكلام نظرياً، نزل الدكتور جابر بالتوجيه الفقهي إلى واقع الناس اليومي، وهو فقه الكسب الحلال والورع عن الحرام. وضرب مثالاً لمن يتعرض لفتنة المال الحرام عبر استغلال الوظيفة (كالرشوة أو التربح غير المشروع) قائلاً: "كان في الشغل كده في قرشين، لو أنا مضيت الورقة دي كان يجوا من وراهم قرشين محترمين، نروح نركب عربية غالية...". هنا يتدخل فقه المراقبة، فالذي يترك هذه الورقة (المال الحرام) لأجل الله، يعوضه الله خيراً منها. يقول الشيخ: "ستجد بدلاً مما كان، سيملأ جيبك نوراً من اليقين، سيملأ قلبك، هذا بما في جيبه مات مقتولاً من التفكير في بكرة، وهذا بما في قلبه عاش حياً كريماً". وهذا يوافق القاعدة الفقهية والأصل النبوي الصحيح: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ»⁽⁵⁾.

### خاتمة الاستنباط إن خلاصة التوجيه الفقهي والعقدي في هذا المقطع هي الانتقال من حظوظ النفس إلى إرادة الرب. فمن ترك هواه ورضي بما قسم الله له في وظيفته، وذريته، ورزقه، واجتنب الحرام (كما في مثال التوقيع المشبوه)، وجد الله. وكما ختم الدكتور جابر بقوله: "ولم يأمنني من النار، إنما قال لي يا لا لا أنت حكايتك عندي، فلقد زهدت المملكة فكان العوض الملك". وهو تعبير كنائي بليغ عن أن السالك إذا صدق مع الله، فإن العوض لا يكون مادياً فحسب، بل يكون بـ "المعية الإلهية"، وحيث وُجدت المعية، وُجد كل خير.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي