كيف تفوز بالمغفرة المحققة في شهر رمضان؟ فقه الصيام والقيام مع الدكتور جابر بغدادي
استمع لمقال: كيف تفوز بالمغفرة المحققة في شهر رمضان؟ فقه الصيام والقيام مع الدكتور جابر بغدادي
إن المتأمل في التوجيهات الروحية يجد غوصا بديعا في أعماق الفقه النبوي، حيث يربط بين الظاهر والباطن، وبين العمل القلبي والجوارح. يستهل الدكتور جابر بغدادي توجيهاته بالإشارة الدقيقة إلى ثلاثة أحاديث نبوية شريفة أسست لقواعد النجاة والفوز في شهر رمضان المبارك، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽¹⁾، وقوله: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽²⁾، وقوله في التاج الذي يزين هذا الشهر: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽³⁾ (صحيح البخاري). هنا يبرز فقه المتلازمة التي يشير إليها الدكتور جابر، فمتلازمة "الصيام والقيام" ليست مجرد سرد لأعمال صالحة متفرقة، بل هي دورة عبادية وروحية متصلة. وكما أشار أئمة الفقه، ومنهم الإمام النووي (ت : 676 هـ) (محرر المذهب الشافعي وأحد أبرز أعلام الحديث والفقه)، إلى ترابط العبادات وأثرها السلوكي، فإن العبد يصوم في النهار، وهذا الصيام في حد ذاته هو "فضل لله" نزل على العبد ووفقه إليه.
فإذا جن الليل، هب العبد إلى القيام، لا لشيء إلا ليشكر الله على توفيقه لصيام النهار. ثم إذا أصبح، عاد للصيام شكرا لله على توفيقه لقيام الليل. وهكذا يظل المؤمن يتقلب بين متقلبات العجز عن الشكر، وكلما ازداد طاعة ازداد حياء من الله. وهذا الحياء المستمر يولد في القلب حالة من الاستحياء من المعصية، فيكون هذا الانكسار هو السر الأعظم الذي بسببه يغفر للعبد ما تقدم من زمانه ومكانه. وإذا تأملنا ألفاظ هذه الأحاديث الثلاثة، نجدها تتطابق تماما في شرط المغفرة "إيمانا واحتسابا"، ولا تختلف إلا في الفعل الموصوف "صامه" و "قامه".
ومن هنا نستنبط حكما فقهيا راقيا؛ أن الله سبحانه وتعالى "يعبد بكل ما يقصد به". فإذا عجز العبد، لسبب أو لآخر، عن أداء الصيام بالكيفية والأهلية الروحية العالية التي توصله إلى مراد الله، فإن رحمة الله تتداركه، حيث جعل له "ليلة القدر"؛ ليلة واحدة إذا قامها إيمانا واحتسابا، تعوضه ما فاته من كمال الصيام والقيام طوال الشهر. ثم ينتقل الدكتور جابر بغدادي إلى تفصيل المقامات، فشرح معنى "الإيمان والاحتساب" مقسما الناس فيهما إلى ضربين وفريقين: الفريق الأول: هم من يعبدون الله بإيمان بـ "الفرضية"، واحتساب بطلب "الأجر الموعود" من الله. وهذا مقام العوام، وهو صحيح لا غبار عليه. الفريق الثاني: هم أهل الترقي والخواص، الذين يعبدون الله إيمانا بـ "الفضل الإلهي"، واحتسابا لـ "العجز عن الشكر".
فهم قد جاوزوا مرحلة طلب الأجر، إلى مرحلة شهود المنعم. ولما أدركوا ما تفضل الله به عليهم، وقفوا على أعتاب العجز عن شكره. وشتان بين عبد يقف بين يدي ربه يطالبه بالأجر، وبين عبد يقف مطرقا يعتذر عن عجزه عن الشكر. الفقه الحقيقي هنا هو ألا تنظر إلى ما خرج "منك إليه"، بل أن تدرك عظمة ما نزل "منه إليك". وفي سياق هذه المعاني الإيمانية الراقية، يوجه الدكتور جابر بوصلة العقيدة نحو مسارها الصحيح، محذرا من المنزلقات. فعندما يقرر أن الله هو صاحب الفضل السابق، وأن العبد يصوم شكرا لإحسان الله الذي "فعل ونسب إليك"، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾⁽⁴⁾، فإنه يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة الصافية.
وهنا يجب التنبيه بشدة واتخاذ التدابير الاحترازية: إن إرجاع الفضل كله لله، وشهود أن الله هو الخالق لأفعال العباد، لا يعني أبدا السقوط في بئر "العقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب العبد إرادته وتجعله كالريشة في مهب الريح. بل الفهم الفقهي والعقدي السليم أن الله هو "الخالق" للفعل والعبد هو "المكتسب" له، فالعبد له إرادة وكسب يحاسب عليهما ويثاب عليهما. فالتوجيه هنا ليس لنفي العمل أو التواكل، بل لنفي "رؤية العمل" والاعتداد بالذات، ليكون العمل خالصا من العجب والكبر، مستندا إلى محض التوفيق الإلهي. ويتجلى هذا الفهم في استدعاء الآية الكريمة: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾⁽⁵⁾.
فرغم أن الله يطلب منهم العمل ويثبته لهم شكرا، إلا أنه سبحانه، بفضله الواسع، يغض الطرف عن معونته التامة لهم في هذا العمل، ثم ينسبه إليهم شاكرا إياهم عليه! فالله هو "الشاكر العليم"، وهذا من أعظم تجليات الكرم الإلهي. ويختم الدكتور جابر بيانه الفقهي بالتذكير بمشهد الكرم الاستباقي، فقبل أن يعبد العابد، وقبل أن يصوم الصائم، تتنزل المنح الإلهية: أبواب النيران تغلق، وأبواب الجنان تفتح، ومردة الشياطين تصفد وتغل⁽⁶⁾. ثم ينادي المنادي الإلهي الإنسان لتلقي هذه العطايا والمغفرة، ولسان حال الفقه يتساءل: ماذا فعل الإنسان لينال كل هذه العطايا في البداية؟ الإجابة: لا شيء! إنه محض الفضل والكرم المسبق الذي يستوجب منا أن نذوب حياء وشكرا في محراب العبودية.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (سر المغفرة المحققة في شهر رمضان: بين مقامات الإيمان والاحتساب وشهود المنن)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (أسرار المغفرة المحققة في رمضان: قراءة عقدية في مراتب الإيمان والاحتساب وتوحيد الأفعال)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار المغفرة ومقامات التزكية في شهر الصيام: الترقي من طلب الأجر إلى شهود العجز عن الشكر)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التفقه في أسرار المغفرة ومقامات العبودية: شرح الشيخ جابر بغدادي لحديث الصيام والقيام)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (حيرة السائر: كيف أتحرر من "مقايضة الأجر" لأصل إلى "شهود المنة" في عبادتي؟)الأسئلة
الشيخ جابر بغدادي
