بقلم: الشيخ جابر بغدادي
الطموح في ميزان الزهد: قراءة صوفية في الشمائل المحمدية وعمارة الأرض
الطموح في ميزان الزهد: قراءة صوفية في الشمائل المحمدية وعمارة الأرض
عبودية الكمال وسر الرعاية النبوية
حينما يخبرنا الحبيب المصطفى ﷺ في بيانه المنيف: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم»⁽¹⁾، فإنه يرمي إلى غاية عظمى في بناء الأجيال وتنشئة الشباب.
يا ولدي، إن المراد هنا ليس الركون إلى البطالة أو القناعة بالقعود، بل استنهاض الطموح وعلو الهمة؛ فأنا أرجو أن أراك طبيبًا حاذقًا، ووزيرًا مدبرًا، وعامرًا لهذه الأرض التي استخلفنا الله فيها.
إن رعي الغنم في حق الأنبياء، عليهم صلوات الله وسلامه، إنما هو حكم الله النافذ عليهم ليزداد كمالهم كمالًا، فهو في حقهم عبودية الكمال المطلق، وتدريب رباني جليل لسياسة القلوب والأمم.
وهم الزهد الكاذب والاحتجاج بالفاقة
أما في حقنا نحن، فلا ينبغي أن نجعل ذلك ذريعة للفاقة والفقر والافتقار المذموم.
فلا يصح، يا ولدي، أن أحثك على طلب العلم والسهر لتغدو أستاذًا مرموقًا في الجامعة، فتأتيني متعللًا محتجًا وتقول: أليس النبي ﷺ قد رعى الغنم؟ كلا يا ولدي! إن النبي ﷺ رعى الغنم عبودية خالصة لله تعالى وتواضعًا لجلاله، ولكنه انتقل إلى الرفيق الأعلى وقد دانت له الدنيا بأسرها.
ألم تسمعه ﷺ وهو يصدح بالبشارة الكبرى والسر الأعظم قائلًا: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض»⁽²⁾؟ إن هذا العطاء الإلهي معناه الأعمق أنه ﷺ قد عمر الأرض وأقام ميزانها، حتى صار خليفة الله، ظاهرًا وباطنًا عليها.
أنبياء الله بين عمارة الأرض وسياسة الأمم
ولك في سير الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، خير دليل وبرهان؛ فمن أنبياء الله من كان وزيرًا مكينًا، ومنهم من كان ملكًا متوجًا، ومنهم من كان أميرًا يقود الأمم بالحق.
وتأمل معي بعين البصيرة سيرة نبي الله يوسف الصديق عليه السلام، فقد كانت نبوته تتجلى في حفظ سلة الغذاء للعالم أجمع طيلة خمسة عشر عامًا، يدبر أمر الخزائن بحكمة وحسن سياسة، منقذًا الخلائق من الهلاك، وعامرًا للكون بنور النبوة.
الفهم السليم للشمائل وكمال النبوة
لذا يا ولدي، يجب أن نحذر غاية الحذر حتى لا نقرأ الشمائل المحمدية للإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ)⁽³⁾ بقراءة سقيمة خاطئة، وحتى لا نُفَهِّم شبابنا عن مقامه ﷺ وعن سيرته العطرة ما لا يتفق مع جلال كماله وجماله الأقدس.
إن رعيه ﷺ للغنم لا يعني البتة أنه رضي بالدون أو استكان للهوان.
فليس من مقتضيات الزهد الحقيقي أن تخفق في مسيرتك أو أن تكون فاشلًا في حياتك.
بل الزهد الحقيقي هو أن تملك الدنيا بيدك لا بقلبك، وأن تتوج مسيرتك بالنجاح والتفوق وعمارة الأرض، جاعلًا كل ذلك في مرضاة الله وموصولًا بنور المصطفى ﷺ.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة عمارة الأرض وتصحيح مفهوم الزهد: قراءة في كمالات النبوة)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الأخذ بالأسباب وعمارة الأرض: قراءة تشريعية في كمالات الشمائل النبوية)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الزهد ومجاهدة النفس: أسرار "عبودية الكمال" وعمارة الأرض في التصوف السني)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي لمفهوم الزهد و«عبودية الكمال» وعمارة الأرض)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (تعارض الطموح الدنيوي مع الزهد النبوي: هل طلب المعالي يتنافى مع طريق التزكية؟)الأسئلة
