بقلم: الشيخ جابر بغدادي
سِرُّ المحبة في إسقاط الكُلفة: حينما لا يُحوجُ المُحبُّ حبيبهُ للاعتذار
سِرُّ المحبة في إسقاط الكُلفة: حينما لا يُحوجُ المُحبُّ حبيبهُ للاعتذار
## في ظلال المحبة التي تستر ولا تَكشف يا ولدي، إنَّ للمحبة في قلوب الواصلين سُلطاناً لا يَعرف قسوته إلا من ذاق حلاوة القُرب، فالمُحبُّ الصادق في مَقام الحبيب لا يجد في نفسه مَسرَّةً في أن يُحرج حبيبه بطلب الاعتذار، بل هو في شُغلٍ عن ذلك باستشعار عظمة الوصل. فلنتحقق بهذا الخُلق، ولنُسقِط الكُلفة، ولنفسح في قلوبنا مَساحاتٍ للحب، فالحبُّ سِترٌ غطاءٌ لكل عيبٍ، وهو مَعلمٌ يَهدي النفس إلى ما لا تَهتدي إليه بغيره من العلوم.
## أدب التماس العذر ومقام الانكسار لقد سُئلتَ يا ولدي: "كم مرةً أسامح أخي إن أساء في حقي؟"؛ فاستمع إلى أدب السلف الذين ربَّوا النفوس على مائدة النبوة، إذ يُقال: "التمس لأخيك سبعين عذراً"⁽¹⁾. فإن قُلتَ لي بلسان النفس الحائرة: "يا شيخي، قد أجهدتُ فكري ولم أجد له عذراً!"، أقول لك: إذا أعددتَ له سبعين عذراً ولم تقبل منهم واحداً، فاجعل من ذُلِّ الانكسار طريقاً لرفع الحجاب، ضع خدك على التراب وتواضع، وقل لأخيك: "دُس على نفسي لعل الله يخرج ذلك الغِلَّ من قلبك". فليس الدين صلاةً وركوعاً فحسب، بل هو مَعانٍ تملأ الأرواح وتُزكي الجوارح.
## كرمُ الله في لُطفِ العتاب تأمل يا ولدي سعة المَولى جل جلاله، فإذا كان الله يَبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ⁽²⁾؛ فما معنى ذلك؟ إنه ليس موضوع ساعة سحرٍ فحسب، بل هو قانون الكرم الإلهي. الكريمُ لا يُحوجُ من أحبهُ إلى الاعتذار، بل إن كرمه يظهر في بسط يده ليُكرم محسن النهار، فكيف بمن أساء؟ إن الحبيب الودود ينجلي وده حينما يمنح العطاء لغير المستحق، والحبُّ تظهر حقيقته حين لا يُحرج المحبوبُ من أحبَّ بطلب الاعتذار. يا ولدي، إنَّ العبد إذا عمل عند عبدٍ أخذ أُجرته وعُمره، أما إذا استعمل الله عبداً، فإنه يُغدِق عليه من نوره ومدده ما لا يُقاس بمقاييس البشر. فالحبُّ في ذروة كماله هو ألا تترك لحبيبك مَجالاً لطلب العفو؛ لأن الحبَّ نفسه صار عفوك.
## لطائف العتاب في القرآن الكريم انظر بعين البصيرة إلى قول الحق عز وجل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ⁽³⁾؛ فقد قَدَّم الله العفو على العتاب، وهو ما يُسميه أهل الذوق واللطف بـ "لُطف العتاب وأنس الخطاب". إنها دلالةٌ على ربٍّ لا يُجامل أحداً في شريعته، فقد تكون قد لمستَ المراد الأكمل، ولكنك بفعلك قد أصبتَ مرتبة الكمال، فلا بد للأكمل -وهو الله سبحانه- أن يُهذِّب الكمال بالأكمل، فجاءت الآية تُنزلُ على القلب برد العفو قبل أن تَرِدَ نبرة العتاب.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدةُ الكرمِ الإلهيِّ وكمالُ المحبةِ في سِياقِ العفوِ والستر)العقيدة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (أدب المحبة ومقام التجاوز: حين يغدو القلبُ سماءً للستر)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (المحب لا يحوج حبيبه للإعتذار)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (الخجل من كثرة الذنوب وفهم حقيقة العتاب الإلهي)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (مرارة الغل وعجز القلب عن مسامحة المسيئين)الأسئلة
