بقلم: الشيخ جابر بغدادي
ما من عبد تواضع لله إلا رفعه: أسرار كمال الأدب في قصة سليمان عليه السلام
ما من عبد تواضع لله إلا رفعه: أسرار كمال الأدب في قصة سليمان عليه السلام
تجريد النفس وكمال الأدب مع المليك
الحق تأمل يا ولدي في بديع صنيع نبي الله سليمان، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حينما أراد أن يكاتب مملكة سبأ، كيف سطر خطابه؟ وماذا أراد أن يبلغهم؟ لقد استهل كتابه المبارك قائلاً: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾⁽¹⁾. جرت عادة الملوك وسلاطين الدنيا، إذا أراد أحدهم أن يسطر كتاباً أو يبعث رسالة، أن يصدّرها بتعظيم نفسه والمباهاة بملكه، فيقول بعد البسملة: "من جلالة الملك المعظم، فلان ابن فلان الفلاني، صاحب الجلالة وصاحب الفخامة"، أليس كذلك يا ولدي؟ غير أن نبي الله سليمان سلك مسلكاً ربانياً تجلى فيه كمال العبودية، إذ جرد نفسه من كل لقب وزخرف دنيوي مكتفياً بقوله: "إنه من سليمان"، ثم أتبع ذلك بوصف ربه ومولاه، وهذا لعمري من أبهى صور كمال الأدب مع الملك الحق سبحانه وتعالى.
غلبة الانكسار على خوارق العادات
ولما جمع خواص مملكته، من الوزراء، والحكماء، وعباد الله الصالحين، وأولياء زمانه، التفت إليهم مقراً بعزمه، وطالباً إحضار عرش تلك المملكة، قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾⁽²⁾. فهبّ من بينهم قائل، كما قص علينا التنزيل الحكيم: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾⁽³⁾، ثم انبرى من هو أعلى شأناً وأرسخ علماً وحالاً: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾⁽⁴⁾. لقد استعرض كل واحد منهم ما أوتيه من قدرات وملكات وخوارق، بينما كان مستند سيدنا سليمان وملاذه أمراً واحداً تجلى في أصل خطابه: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾⁽⁵⁾.
سجود القلب على عرش الملك
فماذا يخبرنا القرآن الكريم بعد ذلك المشهد المهيب؟ ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾⁽⁶⁾. هل نسب الفضل لنفسه يا ولدي قائلاً: "هذا بعلمي"؟ أو "هذا بجنودي"؟ أو "هذا بسطوة ملكي"؟ حاشا وكلا، بل أرجع الفضل لمسديه والنعمة لموليها قائلاً بيقين العارفين: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾. وبذلك، غلب سيدنا سليمان، بكمال أدبه مع الله تعالى وانكساره بين يديه، كل قدرات الجن وطاقات الأولياء في زمانه. لعلك تتفكر يا ولدي، في أي حالة روحية كان يعيشها نبي الله سليمان عليه السلام حينئذ؟ لقد كان مستغرقاً في حالة من الخضوع التام، والسجود المطلق لله، قلباً وقالباً. كان جالساً بجسده على عرش ملكه الدنيوي، بيد أن قلبه كان ساجداً خاضعاً لصاحب العرش العظيم جل جلاله. وتلك هي السنة الإلهية الماضية، والمكرمة الربانية الباقية، مصداقاً لما ورد في الأثر النبوي الشريف (صحيح مسلم)⁽⁷⁾، أن العزة لا تنال إلا بالانكسار، وأن الرفعة لا تدرك إلا بالافتقار، فما من عبد تواضع لله إلا رفعه درجات لا يعلم مداها إلا هو سبحانه.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة التجريد ورد الفضل للمجيد: قراءة عقدية في مقام نبي الله سليمان)العقيدة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (تجريد النفس وكمال الأدب مع الله: أسرار التواضع في قصة نبي الله سليمان)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (ما من عبد تواضع لله إلا رفعه)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (سر الانتصار على كبرياء النفس: كيف أجرد قلبي من العجب وأرد الفضل للمنعم؟)الأسئلة
