Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

أسرار المغفرة المحققة في رمضان: قراءة عقدية في مراتب الإيمان والاحتساب وتوحيد الأفعال

مقال عقدي عميق يستلهم من توجيهات الدكتور جابر بغدادي أسرار المغفرة في رمضان، موضحاً مقامات الإيمان والاحتساب، وحقيقة توحيد الأفعال، وكيف نشهد فضل الله في طاعاتنا ونحذر من المزالق الفكرية، لنتذوق الكرم الإلهي في الصيام والقيام.

استمع لمقال: أسرار المغفرة المحققة في رمضان: قراءة عقدية في مراتب الإيمان والاحتساب وتوحيد الأفعال

0:000:00

## متلازمة الصيام والقيام.. بين شهود المنة ومقام العجز عن الشكر إن المتأمل في النصوص النبوية الشريفة التي تتناول فضائل شهر رمضان المبارك، يجدها تؤسس لعقيدة راسخة في قلب المؤمن، وليست مجرد تشريعات ظاهرية للأبدان. وقد لفت الدكتور جابر بغدادي النظر إلى تلك الأحاديث الثلاثة العظيمة التي تربط بين الصيام والقيام وليلة القدر؛ وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽¹⁾، وقوله: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽²⁾، وقوله: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽³⁾.

يشير الشيخ جابر إلى متلازمة عجيبة بين هذه العبادات، فالمؤمن الموفق يصوم بالنهار مستشعراً أن هذا الصيام هو "فضل لله عليه"، ولما يرى هذا الفضل يتحرك قلبه بدافع الشكر، فيقوم الليل ليؤدي شكر نعمة صيام النهار. وإذا ما أتم قيام الليل، استشعر منة الله عليه بالتوفيق للقيام، فيعود ليصوم نهار اليوم التالي شكراً على توفيق الليل. وهكذا يظل المؤمن يتقلب في مقامات الطاعة، لا يرى لنفسه فضلاً، بل يرى نفسه يتقلب بين "متقلبات العجز عن الشكر".

هذا الشهود العقدي لفضل الله يورث في القلب حياءً عظيماً، فكما يوضح الدكتور جابر، فإن هذا العجز يجعله يستحيي أن يعصي الله عز وجل، فيكون هذا الحياء سبباً في أن "يغفر له ما تقدم من زمان". والملاحظ في هذه الأحاديث المتطابقة في المبنى والمعنى -إلا في اختلاف لفظي الصيام والقيام- دلالة عقدية كبرى على أن الله سبحانه وتعالى يُعبد بكل ما يُقصد به وجهه؛ فإذا تعذر على العبد بلوغ درجات الكمال في الصيام لضعف أو قصور، فقد جعل الله له ليلة واحدة متى قامها إيماناً واحتساباً، عوّضت له ما فاته من كمالات، وهذا من عظيم السعة والكرم الإلهي.

## مقامات الإيمان والاحتساب في ميزان العقيدة السليمة ينتقل بنا الدكتور جابر بغدادي إلى تفكيك وتحليل معنى "إيماناً واحتساباً" تحليلاً عقدياً دقيقاً، مبيناً أن الناس ينقسمون في هذا المقام إلى ضربين ومستويين، وهذا التقسيم يبرز الفارق بين إسلام العوام ومقامات الإحسان عند الخواص: "المستوى الأول": جماعة الإيمان بالفرض والاحتساب بالأجر. هؤلاء يصومون إيماناً بفرضية الصيام، واحتساباً وطلباً للأجر الموعود من الله. وهذا مقام صحيح ومقبول، وهو مقام أهل البدايات الذين يرجون ثواب الله ويخافون عقابه.

"المستوى الثاني (المقام الأعلى)": جماعة الإيمان بالفضل والاحتساب للعجز عن الشكر. هؤلاء تجاوزوا النظر إلى أفعالهم، فهم يصومون إيماناً بفضل الله عليهم أن وفقهم للصيام، واحتساباً لعجزهم التام عن توفية الله حقه من الشكر. ويعلق الشيخ جابر موضحاً البون الشاسع بين المقامين: "وشتان بين من وقف يطلب الأجر وبين من وقف يعجز عن الشكر". فالأول ينظر إلى عمله ويطلب العوض، بينما الثاني أدرك حقيقة العقيدة الصافية؛ وهي أن لا تنظر إلى "ما منك إليه" (أي عملك)، ولكن يجب أن تدرك "ما منه إليك" (أي توفيقه ومدده).

## توحيد الأفعال: أن خلق الفعل ونسبه إليك تفضلاً وتكرماً هنا نصل إلى ذروة التوجيه العقدي في كلام الدكتور جابر بغدادي، وهو تصحيح مفهوم نسبة الأفعال. يقول الشيخ: "لابد أولاً أن نصوم رمضان هذا شكراً من عظيم إحسانه عليك، أن فعل ونسب إليك، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾⁽⁴⁾". وهنا يجب أن نقف وقفة احترازية ضرورية لحماية عقيدة القارئ من الانزلاق إلى مزالق الفرق الضالة. إن قول الشيخ "أن فعل ونسب إليك" واستشهاده بالآية الكريمة هو تقرير لعقيدة "توحيد الأفعال" عند أهل السنة والجماعة، ولا علاقة له مطلقاً بـ "العقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب الإنسان إرادته وتدعي أن العبد مجبور كالميت بين يدي الغسال لا مشيئة له.

إن عقيدة أهل الحق، والتي يقررها الشيخ هنا باحترافية، هي إثبات أن الله خالق كل شيء، بما في ذلك أفعال العباد، فالمشيئة التامة والقدرة الشاملة لله وحده. ولكن الله سبحانه وتعالى وهب العبد إرادة وقدرة يقع بها "الكسب"، فالعبد فاعل لعمله ومكتسب له حقيقةً، والله هو الخالق لهذا العمل حقيقةً. وما يرمي إليه الشيخ جابر هو توجيه القلب إلى "شهود التوفيق"؛ فإذا صمت أو صليت، فاعلم أن إرادتك الضعيفة ما كانت لتثمر عملاً لولا أن الله خلق فيك القدرة ويسر لك الأسباب ودفع عنك الموانع. لذلك، من كرم الله عز وجل أنه "خلق الفعل" بقدرته وتوفيقه، ثم "نسبه إليك" تشريفاً وتكريماً ليثيبك عليه. وهذا هو عين التوحيد الخالص الذي ينفي عن النفس العجب والغرور، ويجعل العبد معترفاً بأن كل طاعة إنما هي محض فضل من الله سابق على عمل العبد.

## تجليات الكرم الإلهي المسبق والجزاء الأوفى ويختتم الدكتور جابر بغدادي بيانه بتصوير بديع لمدى سعة الكرم الإلهي الذي يسبق عمل العاملين. يقول سبحانه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾⁽⁵⁾، فالله يطلب العمل على سبيل الشكر، ولكن المتأمل يرى العجب؛ فبعد أن يوفقك للعمل ويخلق فيك القدرة عليه ويعينك، فإنه يغض الطرف عن معونته لك، ويشكرك أنت على فعلك! مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾⁽⁶⁾.

هذا هو "الكرم الكريم" كما يصفه الشيخ، كرم يتجلى قبل أن يتحرك العابد بعبادته، وقبل أن يعقد الصائم نية صيامه. فمن عظيم كرمه المسبق أنه أعد لك الكون كله ليرحب بطاعتك؛ فأغلق أبواب النيران، وفتح أبواب الجنان، وصفّد الشياطين ومردة الجان «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»⁽⁷⁾. وينادي العقل السليم: ماذا فعل الإنسان لينال هذه العطايا الضخمة والمقدمات العظيمة؟ وتأتي الإجابة قاطعة: "لا شيء، لسه في البداية". إنها منة البدء، وتجلٍ من تجليات كرم الرب الذي يعطي قبل السؤال، ويهيئ أسباب القبول قبل العمل، ليعلم العبد يقيناً أن الأمر كله لله، وأن النجاة بفضله، والمغفرة المحققة إنما تنال بالانكسار على عتبة جوده لا بالاعتداد بقوة العمل.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي