عقيدة الافتقار إلى الله وأسرار العطاء الرباني في دفع الإساءة
مقال عقائدي عميق يستنبط من توجيهات الدكتور جابر بغدادي حقيقة الوجود الإنساني وتوحيد الأفعال، موضحاً التوازن الدقيق بين محض الفضل الإلهي وسعي العبد، مع التحذير من مزالق الجبرية، لتأسيس عقيدة الافتقار إلى الله في مواجهة الإساءة.
توحيد الأفعال ونور الإيمان في مواجهة الظلمة يا ولدي، متى رُميت في خضم هذه الحياة بعدوٍ، أو ظالمٍ، أو فاسقٍ أنزل بك أذاه، فإياك أن تنحدر إلى دركه وتعامله بمثل فعله، متعللاً بمقالة العوام الفاسدة 'البادي أظلم'. فاعلم، أرشدك الله لنور بصيرته، أن هذا المسلك ليس من أخلاق أهل الإحسان في شيء، بل هو ينقض أصلاً من أصول اليقين. فإن أهل الإحسان يدركون يقيناً وعقيدةً أن كرم الكريم إنما يتجلى في تمامه وكماله عند مقابلة السيئات. ليس من شيمنا أن نُعادي مَن عادانا بمثل عداوته، ولا أن نظلم مَن ظلمنا، ولا أن نؤذي جاراً آذانا بمثل ما اقترف؛ فهذا الصنيع يتنافى قطعاً مع خُلق الإسلام الرفيع، وما كان سيدنا رسول الله ﷺ على هذا النحو أبداً. إن العقيدة الصحيحة تعلمنا أن الأفعال الظاهرة هي انعكاس لحقيقة الباطن، ألم تتأمل، يا ولدي، قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾⁽¹⁾؟ فليكن عملك على شاكلة النور الذي قذفه الله في قلبك بالإيمان، لا على شاكلة الظلمة التي تصدر عن نفوس غاب عنها شهود الحق. إن المؤمن يرى بعين العقيدة أن كل ما يقع في الكون هو بتقدير الله، فيرد الإساءة بالإحسان امتثالاً لأمر الله، لا ضعفاً أمام الخلق. بين الرحمة المحمدية والغيرة الإلهية في ميزان العقيدة انظر بعين بصيرتك إلى سيدنا النبي ﷺ، وهو يجود بجلبابه الشريف ليكفن فيه رجلاً كان سبباً في إيذاء المسلمين ورأساً في النفاق. بل إنه حين قيل إن النبي ﷺ قد أهدر دم هذا المنافق، هبّ ابنه الصالح، العارف بحقوق الله، وقال لرسول الله ﷺ: 'إن كنت لا محالة مهدرًا دمه، فدعني أنا أتولى قتله، لئلا تقع عيني على قاتل أبي، فتأخذني الحمية فأقتله، فأكون قد قتلت مؤمناً بمنافق'. فماذا كان رد الحبيب المصطفى ﷺ؟ لقد أجابه بمنطق الرحمة المهداة: «إنا لسنا بقتالين»⁽²⁾، وذلك لئلا يتقول الناس: 'إن محمداً يقتل أصحابه'. لقد آثر المصطفى ﷺ أن يُبقي على كرمه، إكراماً لخاطر الابن الصالح، وتجلياً لرحمة النبوة التي وسعت كل شيء. ولكن في قضايا العقيدة والتوحيد، تتجلى صفات الجلال كما تتجلى صفات الجمال. ولنا في كتاب الله آية تُتلى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾⁽³⁾. وحين مضى سيدنا النبي ﷺ ليستغفر لـ 'عبد الله بن أبي بن سلول' بناءً على طلب ابنه، وليصلي عليه، هبّ سيدنا عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) -الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل- واقفاً في مقام الغيرة على التوحيد، وقال: 'يا رسول الله، هذا إنسان منافق، وإن الله قد نهاك أن تستغفر له!'. فأجابه الحبيب ﷺ بصدره الواسع: «إن الله خيرني، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت»⁽⁴⁾. تأمل يا ولدي، أين وقف العدد؟ ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ومع مَن؟ مع مَن يخالفنا الرأي ويناصبنا العداء. ولكن في هذا الموقف المهيب، صادفت "الغيرة الإلهية" الغيرة العمرية على الجناب النبوي وعلى حرمة الدين. والغيرة صفة لله تعالى تليق بجلاله وكماله، تعني كراهيته لأن تُنتهك محارمه أو أن يُساوى الكافر بالمؤمن. فنزل قول الحق مصدقاً لعمر وحاسماً لمسألة الولاء والبراء: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾⁽⁵⁾. ليكون في هذا المشهد العظيم درسان لا يُنسيان: درسٌ محمديٌ في السماحة والرحمة البالغة، ودرسٌ عُمريٌ في الغيرة على رسول الله ﷺ وعلى دين الله وحماية جناب التوحيد من أن يُدنس بالصلاة على من أبطن الكفر. عقيدة التوكل ومحض الفضل الإلهي في التزكية نحن في أشد الحاجة، يا ولدي، أن نتنازل عن كبريائنا قليلاً، وأن نهبط من علياء نفوسنا الزائفة. نحتاج أن نسجد، لنقترب، فإذا ما تحققنا بمقام الانكسار لله، تجلت فينا الآية: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾⁽⁶⁾. ثم إن المولى جل جلاله يعقب على هذه السماحة وذلك العفو البليغ بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾⁽⁷⁾. وتأمل دقة اللفظ القرآني؛ فلم يقل 'وما ينالها'، بل قال ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾، فالتلقي هنا يعني أنه عطاءٌ ربانيٌ ومحض فضل. وهنا نقف وقفة احترازية في غاية الأهمية لضبط بوصلة العقيدة؛ لئلا يظن ظانٌ أن نسبة الفضل الكامل لله في القدرة على العفو تعني "الجبر" وسلب إرادة الإنسان، فهذا فهم سقيم وعقيدة جبرية باطلة حذر منها أئمة الهدى كالإمام أبو الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤ هـ، إمام أهل السنة والجماعة). فالله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد، نعم، ولكن العبد له إرادة ومشيئة واختيار يُحاسب عليه، وهو ما يُعرف بعقيدة "الكسب". ولذلك قال الشيخ في تتمة عبارته: "بل هو هبة لمن تخلى عن حظ نفسه". فقوله "لمن تخلى" يثبت سعي العبد ومجاهدته واختياره لترك حظ النفس، وحين يُظهر العبد صدق النية في التجرد، "يتلقى" محض الفضل الإلهي والمدد الرباني الذي يجعله قادراً على العفو بسلاسة. فالعبد يكتسب الفعل بالإرادة، والله يخلقه له بالمنة والتوفيق. حقيقة الافتقار: بين العدم المحض وألطاف الخالق وإذا جاءك الشيطان ليهمس في صدرك: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾⁽⁸⁾، فاعلم أن الشيطان سيأتيك من باب 'نفسك'، و'مكانتك'، و'عائلتك'، و'مظهرك الاجتماعي'، ليقول لك: 'لا تتنازل، فكيف ترضى بالدنية؟'. فقل له بلسان اليقين المستمد من عقيدة التوحيد الصافية: 'هذه كلها افتراءات وأوهام!'. يا ولدي، أنت في حقيقتك لست بشيء! أنت هنا لا شيء على الإطلاق، ما أنت إلا وهم محض كَسَوْنَاهُ بألطاف الله، أنت مجرد قبضة من طينة كُسِيَتْ بنور الله عز وجل. فبمَ تتكبر؟ ولماذا تضخم الأمور وتعظم حظ نفسك؟ وهنا نضع تنبيهاً عقدياً جليلاً؛ فقول العارفين "أنت وهم محض" ليس إقراراً بعقيدة وحدة الوجود الباطلة، ولا إنكاراً لوجود المخلوقات وجوداً حقيقياً كما تدعي الفلاسفة، بل هو تعبير بليغ عن "الافتقار الذاتي" للمخلوق. فالإنسان (ممكن الوجود)، أي أن وجوده مستمد من إيجاد الله له، ولو خلى الله بينه وبين نفسه لحظة لعاد إلى العدم. فوجودنا المفتقر إلى الله المستمد من فيض قيوميته، يبدو كالوهم إذا ما قورن بوجود الله (واجب الوجود) المطلق الغني عن العالمين. فكيف لطينة مفتقرة في كل ذرة من ذراتها إلى إمداد الخالق، أن تتكبر أو تتعالى على خلق الله؟ إياك أن تركن إلى وساوس الشيطان التي تنفخ في وهم الذات، فتضيع من بين يديك الجائزة الكبرى، ومقام الرضا في حضرة الإحسان والتسليم لرب العالمين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه العفو وأسرار التشريع: قراءة فقهية في أخلاق أهل الإحسان لدفع الإساءة)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الإحسان وانكسار النفس: أسرار التزكية في دفع الإساءة)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي لدرس وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (عقبة الكبرياء ووهم المكانة في طريق العفو)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (صراع القلب بين نيران الانتقام وأخلاق أهل الإحسان)الأسئلة
وقت القراءة
