عقيدة التوحيد في مواجهة وهم التعطيل: قراءة عقدية في طلاقة القدرة الإلهية
عقيدة تفرد الخالق بالضر والنفع
يا ولدي، هل ساورك القلق يوماً حين شعرت أن طائفة من الناس قد أحكموا تدبيرهم ليعزلوك عن مقامك ومنصبك؟ أو أنهم عقدوا العزم على أن يفرقوا بينك وبين أهلك ومحبيك؟ أو أنهم تجرأوا وتعدوا عليك؟ هل اجتمعوا وانتهى الأمر؟ إياك يا ولدي أن يتسرب الخوف من المخلوقين إلى قلبك الموحد؛ فمتى استقر في قلبك سر العقيدة الصحيحة، علمت أنه لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله.
ضع هذا الدستور الإلهي والقانون العقدي نصب عينيك دائماً: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
أتظنون يا أحبتي، ويا من توحدون الله، أن الخالق الجليل قد أسلم عباده لعباده؟ أو أنه ترك مملكته لتصاريف أهواء البشر؟ حاشا لله! هذا خلل في صميم الاعتقاد.
قد يبلغ بهم الوهم مبلغه فيظنون أنهم قادرون على قتلك وسلب حياتك، ولكن العقيدة الحقة تنطق بلسان القدرة الإلهية قائلة: "نحن الذين أودعنا فيك سر الحياة، وما من مخلوق على وجه الأرض يملك أن ينزعها إلا واهبها سبحانه".
وكذا الرزق، هو سبحانه من أفاض عليك من خزائنه، فلا يملك إنس ولا جان أن يعطل رزقاً ساقه الرزاق إليك.
فإن ردهم الحق سبحانه وأطلق أيديهم ليمكروا بك ظاهراً، فاعلم يقيناً أنه سلكهم في مراد إرادته، وسيحيط بهم بلطفه الخفي، فيجعل من مكرهم ذاته سببًا لنجاتك؛ وتلك هي عقيدة الإيمان بالمكر الإلهي المحمود الذي يقابل مكر المخلوقين المذموم، فالله جل جلاله هو ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وهنا لابد من تنبيه عقدي دقيق؛ لئلا يظن ظان أن هذا التفويض المطلق لله يدعو إلى عقيدة "الجبر" الباطلة، أو الاستسلام وترك الأسباب.
كلا يا ولدي، بل إن كمال التوحيد يقتضي منك أن تأخذ بالأسباب المشروعة ظاهراً، بينما يعتمد قلبك اعتماداً كلياً على مُسبب الأسباب باطناً.
فالأمر كله لله، والعبد مكلف بالسعي، متبرئ من الحول والقوة إلا بالله، موقن بأن أفعال العباد لا تخرج قيد أنملة عن مشيئة رب العباد.
وقد صح عن نبينا الأكرم أنه قال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»⁽²⁾.
خرافة التعطيل وسقوط اليقين
يخرج علينا في هذا الزمان من يردد بلسان العجز: "لقد صنعوا لي سحر تعطيل"! بالله عليك يا ولدي، من هؤلاء الذين تزعم أنهم يملكون تعطيل مراد الله؟ إن هذا الوهم المُسمى بالتعطيل ما هو إلا تفسير قاصر لمعنى "ليثبتوك" الوارد في الآية الكريمة، ولكنه في ميزان العقيدة أوهى من حفنة تراب تذروها الرياح؛ فلا تجعل لمثل هذه التخاريف سلطاناً على قلبك.
وإن مما يندى له الجبين أسفاً، ويُدمي قلب كل موحد غيور، أن مواقع التواصل الاجتماعي قد امتلأت وغصت بمثل هذا الدجل وتلك التخاريف، حتى إن عوام الناس قد وثقوا فيها، ولجأوا إليها، وعقدوا عليها آمالهم ومخاوفهم.
لقد بلغ الخلل العقدي مبلغه لدرجة أن الناس نسيت أن للكون رباً يدبر الأمر! نسينا اليقين المطلق بالله جل جلاله.
يا ولدي، إياك أن أسمع مسلماً موحداً يردد بعد اليوم بجهل: "عاملين لي سحر تعطيل".
من هؤلاء الضعفاء المهازيل حتى يعطلوا إرادة من يقول للشيء كن فيكون؟ إن الاعتقاد بأن أحداً من الخلق قادر على تعطيل رزق أو زواج أو نفع قدره الله، هو قدح في توحيد الأفعال، وانحراف عن جادة الصواب.
شهود القدرة في أزلية العناية بالأنبياء
ولكي يرسخ الحق سبحانه قواعد هذه العقيدة في قلب حبيبه المصطفى، خاطبه بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مبيناً له أنه مأمور بالهجرة ومواجهة الابتلاء كسائر من سبقه من الأنبياء.
فذكره بمكر بني إسرائيل بروح الله سيدنا عيسى عليه السلام، حين اجتمعوا وعقدوا ندوتهم ليتخلصوا منه .
فجاء الرد الإلهي القاطع الذي يبرز طلاقة القدرة المطلقة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾⁽³⁾.
يصف الحق هذا المشهد العقدي الجليل بقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾⁽⁴⁾.
لقد مكروا بغية قتل عيسى، ومكر الله لينجيه؛ مكروا ليثبتوه في الأرض، ومكر الله ليرفعه إليه في السماء.
وفي هذا القصص القرآني تدريب رباني للقلب النبوي الشريف على شهود أزلية الأولية في حياة الأنبياء.
فتعزى رسول الله ﷺ بما جرى لأخيه عيسى، واستقر في وجدانه الطاهر العقيدة الراسخة بأنه لا يستطيع أحد من العالمين أن يمس بسوء عبداً أوى إلى كنف الله وحماه.
فقال موقناً: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
استمرارية التدبير الإلهي المهيمن
وتأمل يا ولدي دقة اللفظ القرآني المعجز، حين قال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ﴾؛ فاستخدم الفعل المضارع "ويمكرون" ليدل على أن كيد البشر مستمر وشغال لا يتوقف.
ولكن، ما هي الخاتمة العقدية؟ ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
فعاد قلب المصطفى ﷺ مطمئناً إلى أن ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ تهيمن على كل مكر سبق ومهما استمر، فعلم يقيناً لا يخالجه شك أن الله جل جلاله يستحيل أن يخذل عبداً التجأ إليه واعتصم بحبله.
لابد أن تعتقد اعتقاداً جازماً لا تشوبه شائبة، أن لهذا الكون الواسع مكوناً أبدعه، وللمملكة ملكاً يتصرف فيها كيف يشاء، وللحياة حياً يمدها بالبقاء، ولقيامها قيوماً يقيم أودها، وللأرزاق رزاقاً يكفلها.
وبناءً على هذه المعاني العقدية الصافية، لا يستطيع إنسان مهما بلغ من القوة أو السحر أن يعطل أمراً فعله الله، أو أن يفعل أمراً عطله الله جل جلاله.
التوسل المشروع بالصلاة المنجية لدفع الكروب
فإذا ما أدلهمت بك الخطوب، وشعرت بضيق الحال، فلا تلجأ إلى السحرة أو الدجالين، بل ارجع إلى أصول عقيدتك، وقم بين يدي مولاك مصلياً ركعتين خالصتين لوجهه الكريم؛ محققاً لمعنى الاستعانة الحقة.
اقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قوله تعالى، الذي يرسخ عقيدة المُلك المطلق لله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽⁵⁾.
وصلِّ في الركعة الثانية بقراءة الآية التي تنسف مكر البشر: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
ثم اجلس بعد الصلاة متذللاً، وارفع يديك متوسلاً إلى الله بأحب خلقه إليه، وقل: "اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتنجينا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات"⁽⁶⁾.
فاعلم يا ولدي أن هذا الدعاء ليس خروجاً عن التوحيد، بل هو من صميم العقيدة؛ لأنك تسأل "الله" المتفضل، وتتوسل إليه بالصلاة على نبيه التي هي من أعظم القربات والأسباب الشرعية الماحية للكروب.
حينها، وببركة هذا اليقين، سيتفك عقد كل تعطيل، وتتلاشى كل مكيدة، إن كان لها في الأصل من وجود حقيقي في واقعك.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (سر النجاة من سحر التعطيل ومكائد البشر ببركة اليقين والصلاة المنجية)المقالات
الشيخ جابر بغدادي
