Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

خطر اللسان وحرمة مجالس الصالحين: قراءة فقهية في صون أعراض العلماء وأهل البيت

استنباطات فقهية وعقدية من توجيهات الدكتور جابر بغدادي حول خطورة زلات اللسان، وحرمة الخوض في أعراض العلماء والأولياء، وكيف حذرنا القرآن الكريم والسنة النبوية من الاستهزاء بحملة الدين وأصحاب النبي ﷺ، مع بيان المنهج الصحيح في الجمع بين محبة الصحابة وآل البيت الأطهار.

استمع لمقال: خطر اللسان وحرمة مجالس الصالحين: قراءة فقهية في صون أعراض العلماء وأهل البيت

0:000:00

إن من أشد ما يُبتلى به المرء في دينه وعقيدته هو الانفلات في حرية القول دون ضابط شرعي، ولا سيما إذا تعلق الأمر بورثة الأنبياء من العلماء والأولياء والصالحين.
وقد أصل السلف الصالح قاعدة ذهبية في هذا الباب البليغ، تتلخص في المقولة الشهيرة المأثورة: "لحوم العلماء مسمومة" ⁽¹⁾.
ولقد بيّن الدكتور جابر بغدادي -حفظه الله- في توجيهاته الدقيقة أن لهذه المقولة شقين عظيمين في الفقه القلبي والسلوكي: الشق الأول يتعلق بـ "شم هذه اللحوم"، والشق الثاني يتعلق بـ "أكلها".

فأما الشم، فهو كناية دقيقة عن "سوء الظن" بالعلماء والأولياء، ومجرد سوء الظن بهم يُورث في القلب مرضاً، وهذا المرض يتمثل في أعظم عقوبة ربانية وهي "الحجاب" بين العبد وبين أهل الله.
فلو لم يصبك من أذى سوء الظن بهم إلا أن تُحرم من بركة محبتهم ونور مجالسهم، لكان ذلك كافياً ليكون هلاكاً روحياً مبيناً.
وأما "أكلها"، فهو الغِيبة والطعن الصريح، وهذا هو الذي يُميت القلب ويقتل الإيمان.

وهنا يجب أن نقف وقفة احترازية لضبط المفهوم العقدي الدقيق؛ إن توقير العلماء والصالحين لا يعني بحال من الأحوال إضفاء صفة "العصمة" عليهم، فالعصمة للأنبياء والمرسلين وحدهم، ولكن توقيرهم ينبع من توقير الشريعة التي يحملونها، والأنوار النبوية التي يتوارثونها.
فالطعن فيهم ليس طعناً في شخوصهم المجردة، بل هو استخفاف بالدين الذي يمثلونه، ولهذا كان الاستهزاء بهم باباً من أبواب الزيغ والضلال.

وقد ساق الدكتور جابر بغدادي دليلاً ساطعاً من السيرة النبوية المطهرة لترسيخ هذا المفهوم، حيث يروي سيدنا عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- واقعة عظيمة حدثت في غزوة تبوك.
فقد جلس رجل من المنافقين أو ممن في قلوبهم مرض في مجلس، وأطلق لسانه بالاستهزاء بقرّاء الصحابة وحملة القرآن، قائلاً في حقهم: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، يأكلون ولا يشبعون، ويتكلمون فيكذبون، وعند اللقاء يجبنون" ⁽²⁾.
فبلغت هذه المقالة الخبيثة رجلاً من أصحاب رسول الله ، فغار على عرض إخوانه من حفظة الدين، وقال بحزم: "والله لأبلغن بما قلت رسول الله ﷺ".

فلما وصل الخبر إلى جناب النبي الأكرم ، غضب غضباً شديداً لحرمة أصحابه وحملة قرآنه، وفوراً، وبلا إبطاء، تنزل الوحي الإلهي ليحسم هذه القضية العقدية الكبرى، فنزلت الآيات الكريمات: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ⁽³⁾.

فالقرآن الكريم لم يفصل بين الاستهزاء بالصحابة والقرّاء، وبين الاستهزاء بالله وآياته ورسوله! والسبب الفقهي في هذا، كما وضحه الشيخ جابر، أن هؤلاء الرجال هم "ملحقون بالنبي" ومحسوبون على جنابه الشريف، وهم حملة كتاب الله.
فالطعن في الحامل طعن في المحمول.
ولما أدرك الرجل خطورة ما تفوه به، انطلق مسرعاً يعتذر، ويصف سيدنا عبد الله بن عمر المشهد المهيب قائلاً: "ولقد رأيت الرجل يمسك بفرس النبي ﷺ" -وفي روايات بناقة النبي- والنبي يسير، والرجل يتشبث به محاولاً المراجعة والاعتذار، ويقول متذرعاً: والله ما كنت قاصداً، إنما كنا نهرج ونمزح.
ولكن النبي لم يلتفت لاعتذاره، بل ظل يكرر عليه بحزم رباني قاطع: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولم يقبل منه العذر.

لقد دخل الهزار واللغو في جناب سادتنا من الصحابة، وفي جناب سادتنا من أهل البيت، وفي أعراض العلماء والأولياء، فكانت النتيجة هلاكاً محققاً.
لذا يُحذرنا الشيخ من مغبة اتباع الهوى واستسهال الكلمات، فالكلمة متى خرجت من الفم أصبحت كطير أفلت من ثقب إبرة، يستحيل أن تعيده إليها مرة أخرى.
إن الكلمة قد تولد صغيرة في فم قائلها، ثم تكبر وتتضخم حتى يعجز الإنسان عن تحمل وزرها وعواقبها، ومصداق ذلك في السنة النبوية ما ثبت في الصحيح: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يدري لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً» ⁽⁴⁾.

ومن هذا المنطلق العقدي الراسخ، يوجهنا الدكتور جابر بغدادي إلى ضرورة حفظ اللسان عن الصحابة الكرام وآل البيت الأطهار، مستنداً إلى قوله المروي في الأثر: «من سب أصحابي عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ⁽⁵⁾، وقوله الشريف الذي يضبط ميزان الفقه القلبي: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» ⁽⁶⁾.
فالأدب معهم هو أدب مع من رباهم وزكاهم، وهو سيدنا محمد .

ثم يستطرد الشيخ ليعبر عن عقيدة أهل السنة والجماعة الصافية، التي تجمع ولا تفرق، مستشهداً بأبيات بليغة تُنصف ساداتنا أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، حيث يُنشد:
"إني أحب أبا حفص وشيعته"
"كذا أحب عتيقاً صاحب الغار"
"وقد رضيت علياً قدوة علماً"
"ما رضيت بقتل الشيخ في الدار" ⁽⁷⁾.

هذا هو الاعتقاد السليم، كل الصحابة ساداتنا ومعتقدنا، ولا عار علينا في الجهر بمحبتهم والولاء لهم.
ومن كمال هذا الفقه أن نعلم أننا نتعلم حب أهل البيت الأطهار من الصحابة أنفسهم، ونقيم السنة النبوية كما أقامها ونقلها إلينا الصحابة، وفي الوقت ذاته، نسكن آمنين مطمئنين في سفينة النجاة؛ سفينة آل البيت.
إنه الحب الذي يجمع القلوب على الله ورسوله، ولا يفرق الأمة، فحب الجميع دين وإيمان وإحسان.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي