فقه الأسماء الحسنى وأسرار ما قبل النوم في توجيهات الدكتور جابر بغدادي
يُعد من أصيل فقه السنن المهجورة وأدب المسلم مع ربه أن يختم يومه بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، وفي هذا السياق، يوجه الدكتور جابر بغدادي المبتغين لمرضاة الله إلى سنة نبوية شريفة، وهي قراءة فواتح سورة الحديد وخواتيم سورة الحشر قبل أن يأوي الإنسان إلى فراشه. فقد أخرج الإمام أبو داود ⁽¹⁾ (ت: ٢٧٥ هـ) (صاحب السنن) أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه أن يقرأ السور المُسَبِّحَات، وقد أُثر عنه أنه قال إن فيهن آية هي أفضل من ألف آية. وتلك الآية العظيمة التي أشار إليها هي قول الحق تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾⁽²⁾.
ثم يورد الدكتور جابر بغدادي أبياتا بديعة للإمام ابن القيم ⁽³⁾ (ت: ٧٥١ هـ) (العالم الرباني والفقيه الحجة) تلخص معاني هذه الأسماء الجليلة، قائلا:
"هو أولٌ، هو آخرٌ، هو ظاهرٌ، هو باطنٌ.. هي أربعٌ بوزانِ
ما قبله شيءٌ كذا ما بعده.. شيءٌ تعالى الله ذو السلطانِ
ما فوقه شيءٌ كذا ما دونه.. شيءٌ وذا تفسير ذي البرهانِ"
ويتساءل الدكتور جابر في شرحه المستنير: كم اسما لله جل جلاله اجتمع في هذه الآية المباركة؟ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، إنها ستة أسماء كريمة. ويشير إلى أن سر الاستواء يتجلى في هذه الآية الكريمة، ولأجل هذا الفضل العظيم، علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه دعاءً جامعا يُقرأ قبل النوم كما أخرجه الإمام مسلم ⁽⁴⁾ (ت: ٢٦١ هـ) (الإمام الحجة وصاحب الجامع الصحيح)، وهو: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ».
وينتقل الدكتور جابر بغدادي من فقه الأذكار إلى فقه القلوب وتوحيد الأفعال، متسائلا بتعجب العارفين: كيف يُتَصَوَّرُ أن يحجبه شيء وهو الذي أظهَرَ كل شيء؟ فكل ما تراه عينك في هذا الوجود، كيف له أن يحجبك عن الله وهو سبحانه الخالق البارئ له؟ كيف يُتَصَوَّرُ أن يحجبه شيء وهو الذي ظهَرَ بكل شيء؟
وهنا يجب التنبيه احترازا، وسدا لباب الفهم الخاطئ الذي قد يميل بالبعض إلى عقائد فاسدة كالحلول والاتحاد أو الجبرية؛ أن المقصود بظهوره سبحانه في الأشياء وبها، هو ظهور قدرته وبديع صنعته، وتجلي أسمائه وصفاته، وليس حلول ذاته في خلقه، فالله بائن من خلقه، مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله، وإنما الآثار تدل على المؤثر، فكل ما في الكون آية تدل على أنه الواحد الأحد الخالق لكل شيء.
فمن عرف اسم الله الأول؛ تجلت لقلبه بدائع قدرة الله في الأزلية. فما معنى أنه الأول؟ معناه كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: «فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ»، فهو سبحانه الأول بلا بداية، وقبليته مطلقة لا تحتمل أن يكون لها نقطة شروع أو بداية. وما معنى أنه الآخر؟ معناه: «فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ»، فآخريته سبحانه لا تحتمل نهاية، فهو الباقي بعد فناء خلقه.
ويستدل الدكتور جابر بما جاء في صحيح الإمام البخاري ⁽⁵⁾ (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث)، حين وفد أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن تاريخ الكون وبداية هذا الأمر، فقالوا: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يقرر عقيدة التوحيد الخالص: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ - وفي رواية - وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ».
ويعزز هذا الفهم بما قاله الإمام ذو النون المصري ⁽⁶⁾ (ت: ٢٤٥ هـ) (إمام العارفين في زمانه) حين سُئل: أتعرف التوحيد؟ فأجاب بكلمتين جامعتين: "كان الله ولم يكن معه شيء ثاني، وهو الآن على ما عليه كان".
ويستمر الدكتور في إيراد تجليات هذه الأسماء، قائلا: فكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء بآثار قدرته؟ فهو "الظاهر"، والظاهر هو المستعلي بوصفه وعظمته عن كل من دونه، وهو "الباطن" الذي لا دونه شيء يحيط به.
ثم يختتم مقالته باقتباس نفيس للإمام ابن عطاء الله السكندري ⁽⁷⁾ (ت: ٧٠٩ هـ) (قطب العارفين وصاحب الحكم) يتساءل فيه: "فيا عجباً كيف يظهر الوجود في العدم؟"، إذ أن الأصل في كل هذه المخلوقات التي تراها هو العدم المطلق إذا ما قورنت بوجود الله الحق، فما هي إلا مجالي لقدرة الله على خلقه. "أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟".
ثم يورد فيضا من التساؤلات العارفة التي توقظ القلوب:
"كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهَرَ كل شيء؟"
"كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهَرَ بكل شيء؟"
"كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهَرَ في كل شيء؟"
"كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهَرَ لكل شيء؟"
"كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل كل شيء؟"
"كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟"
"كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء؟"
"وكيف يتصور أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود كل شيء؟"
"فيا عجباً كيف يظهر الوجود في العدم؟ أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟"
#الدكتور_جابر_بغدادي #فقه_العقيدة #أسماء_الله_الحسنى #المسبحات #سورة_الحديد #أذكار_النوم #توحيد_الأفعال #التزكية_والتصوف #فقه_القلوب
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الأسماء الإلهية في المسبحات وتجلياتها على القلوب | فضيلة الدكتور جابر بغدادي)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة التوحيد في الأسماء الإلهية: أسرار الأول والآخر والظاهر والباطن | الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (توثيق درس أسماء الله الحسنى والمسبحات)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (فضل قراءة مفاتح سورة الحديد وخواتيم الحشر قبل النوم)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف لا تحجبنا المخلوقات عن رؤية عظمة الخالق جل جلاله؟)الأسئلة
