بقلم: الشيخ جابر بغدادي
من أسرار سورة الضحى ومقام التوله المحمدي | الشيخ جابر بغدادي
من أسرار سورة الضحى ومقام التوله المحمدي | الشيخ جابر بغدادي
مقام التوله المحمدي: بين ضلال المحبة وهداية الوصول
أمعنِ النظر يا ولدي في أحوال العاشقين في كتاب الله؛ فهذا نبي الله سيدنا يعقوب عليه السلام، لما استغرق في حب ولده، وغاب عن رؤية ما سواه في الوجود، ولم يعد يتوق بصرُه ولا تتلهف بصيرتُه لرؤية شيءٍ في العالمين إلا يوسف؛ عذله قومه وأنكروا عليه فرط وجده قائلين: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾⁽¹⁾.
فما كان هذا "الضلال" المنسوب إليه يا ولدي إلا فرطَ الحب، وشدةَ التعلق، والذوبانَ في المحبوب حتى غاب عن كل مفقود وموجود.
ومن هذا المعنى البديع، الذي قرره سادتنا من أهل التحقيق كالإمام القرطبي (ت: 671 هـ) (شمس أئمة التفسير)⁽²⁾، نلج يا ولدي إلى السر الأقدس في قوله جل جلاله مخاطباً حبيبه المصطفى ﷺ في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾⁽³⁾.
إياك ثم إياك أن يذهب بك الظن إلى ضلال التيه أو الغواية، حاشا وكلا! بل المعنى: وجدك شديدَ الحبِّ لله، شديدَ التَّوَلُّهِ في ذات الله سبحانه وتعالى؛ أي تركتَ الكُلَّ لأجل الله، فلم تعد تطلبُ في الدارين غيرَ الله، ولم تعد ترى في الوجود غيرَ الله، ولم تعد تريدُ، ولا تعشقُ، ولا تهوى، ولا تتمنى في سرك وجهرك إلا الله!
ثلاثية العطاء الإلهي: سر المعية في حرفي "الباء والكاف"
وتأمل يا ولدي كيف تجلت هذه المنن الإلهية في سورة الضحى عبر ثلاثيةٍ متناسقة الأركان: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾⁽⁴⁾.
فإذا أعدتَ قراءة قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، أدركتَ أنها تحمل وجهين من النور: الأول: وجدك متولهاً شديد الحب لله، فهداك إلى مرادك ووصلك بما تريد.
والثاني: وجدك الضالُّ الحائرُ في ظلمات الأرض، فاهتدى بك!
ويستقيم هذا المعنى الجليل، وتكتمل حلاوته البلاغية، إذا أضفتَ ضمير المخاطب "بِكَ" إلى أواخر هذه الأفعال الثلاثة؛ فيصير النظم في التلقي الروحي: "آواه بك، وأغنى بك، وهداه بك".
فالله جل جلاله قد آوى اليتيمَ بك، وأغنى العائلَ بك، وهدى الضالَّ بك! بل إن الباري سبحانه قد آوى الأيتام جميعاً وأكرمهم من أجلك، وكأنه يقول لحبيبه: "لأنك كنتَ يتيماً يا محمد، فقد آويناك، وجعلنا اليتمَ من بعدك شرفاً، وآوينا كل يتيمٍ في العالمين إكراماً ليتْمِك".
عصمة القلب المحمدي: كمالٌ أزليٌّ لم تسبقه ظلمة
ولكي يطمئن قلبك يا ولدي إلى تنزه ساحته الشريفة عن أدنى شائبة، اقرأ قوله تعالى في سورة النجم: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾⁽⁵⁾.
فما المذكور هنا المنفيُّ عنه نَفياً قاطعاً؟ إنه ضلالُ التعامي عن الحق؛ وهذا يثبت بالدليل القاطع، الذي قرره الأئمة الأعلام كالإمام القاضي عياض (ت: 544 هـ) (إمام المغرب وتاج المحدثين)⁽⁶⁾، أن العقلَ المحمدي، والقلبَ المحمدي، لم تسبق أنوارَهما ظلمةٌ قط، ولم يسبق علمَه اللدنيَّ جهالةٌ أبداً؛ فهو كمالٌ مطلقٌ منذ خُلِق.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾؛ أي لم يطرأ عليه الضلالُ في عُمُرِه قَطّ، لا في البعثة ولا قبل البعثة، ولا في عالم الخلق الظاهر ولا قبل الخلق؛ بل يمتد هذا النقاء المطلق إلى الأزل، منذ أن قال الله تعالى للعلياء أن تتجسد، فقال لها: "كُوني"، فكانت محمداً ﷺ⁽⁷⁾؛ فمنذ تلك اللحظة البدئية، لم يَرِد عليه الضلالُ إطلاقاً، ولم يَمُرَّ على أفقه الضلالُ إطلاقاً.
تجليات القسم الإلهي: بين "الضحى" و"الليل"
ولأجل هذا السبق النوري، انظر يا ولدي إلى عجيب الصنع الإلهي حينما يتكلم الحق سبحانه في مطلع سورة الضحى مقسماً، فيقول: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾⁽⁸⁾.
فتراه يذكر "الضحى" أولاً، وهو رمزُ نوره ﷺ الساطع، ثم يذكر بعده "الليل"، وهو الظلامُ الذي حلَّ عليه هذا النورُ المحمدي فأزاحه ومحاه.
بينما إذا ذهبتَ تتأمل كيف تكلّم القرآن عن الصدّيق، سيدنا أبو بكر الصديق (ت: 13 هـ) (الخليفة الراشد الأول وأفضل الأمة بعد نبيها)⁽⁹⁾، في سورة الليل، تجده يقول: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾⁽¹⁰⁾؛ فقدّم الليلَ هنا على النهار! ولماذا يا ولدي؟ يخبرنا العارفون كالإمام ابن عجيبة الحسني (ت: 1224 هـ) (العالم الرباني والمفسر الصوفي)⁽¹¹⁾ أن السر في ذلك: أن سيدنا أبا بكرٍ قد سبق إسلامَه كفرٌ وجاهلية، أما سيدنا رسول الله ﷺ فهو نورٌ محضٌ لم تسبقه ظلمة، نورٌ لم تسبقه ظلمة!
أحمد الأزل: الشاهد الأول بالتوحيد قبل الرسوم والرقوم
ومن هنا يا ولدي، تتجلى لك مقامات أسمائه الشريفة التي شرحها العارفون كالإمام القسطلاني (ت: 923 هـ) (إمام المحدثين وصاحب المواهب اللدنية)⁽¹²⁾؛ فقد كان الحبيبُ "أحمدَ" قبل الإيجاد، وكان "أحمدَ"، وعند الميلاد صار "محمداً"، وبعد الإرشاد والتبليغ صار "محموداً".
فهو أحمدُ الأزلِ، المجتبى من قبلِ أن تكونَ هُناك عبادةٌ، ومن قبلِ أن تُوجَدَ عِلَّةُ عملٍ؛ فقبل أن تُخلقَ المعارفُ، وتُزخرفَ الزخارفُ، وقبل أن تُسطَّرَ الكتبُ، وتُرسَمَ الرسومُ، وتُرقَمَ الرقومُ؛ كان النبيُّ ﷺ خيرَ مَن قام لله في حضرة الغيب شاهداً بالتوحيد المطلق، مصداقاً لقوله الحق: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾⁽¹³⁾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (العقيدة المحمدية الأزلية: أسرار عصمة النبي ونوره في سورة الضحى | الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه القلوب والأدب مع المشرِّع: الأبعاد التشريعية في سورة الضحى | الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أدب السلوك ومقامات التزكية في أسرار سورة الضحى: من غسق النفس الأمارة إلى فجر المطمئنة | الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التحقيق التراثي والتأصيل الشرعي لأسرار سورة الضحى ومقام التوله المحمدي)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (وسواس الشك في عصمة البدايات: كيف يطمئن قلبي لتنزيه الحبيب في قوله ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (آفة العُجب في الإحسان: كيف أطهر جوارحي من رؤية الفضل عند كفالة الأيتام ومساعدة الفقراء؟)الأسئلة
