التأسيس العقدي لسر الكفاية: توحيد الأفعال وبطلان التعلق بالخلق عند الدكتور جابر بغدادي
حقيقة الكفاية وتوحيد الأفعال في الآية الكريمة يا ولدي، إن النظرة العقدية الراسخة التي يبثها الدكتور جابر بغدادي في نفوس المريدين عند بيانه لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾⁽¹⁾، لا تقف عند حدود الدفع والوقاية الظاهرية، بل هي غوص عميق في صلب "توحيد الأفعال".
فالله جل جلاله يقرر حقيقة عقدية مطلقة، وهي أن الكفاية التامة، والنفع والضر، والمنع والعطاء، كلها أفعال مستأثرة بالذات الإلهية العلية.
وعندما يتساءل الشيخ في خطابه الروحاني ليحرك لواعج القلوب، فإن غايته هي قطع دابر الشرك الخفي، وتصفية العقيدة من شوائب التعلق بغير الله.
إن التوجيه العقدي هنا يأمرك ألا تطلب غيره، ولا تطلب من غيره، ولا تتعلق بغيره؛ لأن اعتقاد أن هناك من يملك مع الله فعلاً أو كفاية هو خلل في جناب التوحيد.
فالقلب المحقق يرى أن الأسباب وسائل لا فاعلية لها بذاتها، بل الفاعل المختار في هذا الكون هو الله وحده.
التحرز من الفهم الجبري وإثبات كسب العبد وهنا وجب علينا يا ولدي أن نقف وقفة احترازية عقدية جليلة، مبنية على مذهب أهل السنة والجماعة، حتى لا يزل الفهم أو يقع القارئ في وهدة "العقيدة الجبرية" الخاطئة.
فبينما يقرر الشيخ جابر بغدادي أن الكفاية من الله وحده، وأن التوبة والفضل والتوفيق كلها بيد الله كما في الأصول الثابتة، إلا أن هذا لا يعني سلب العبد إرادته واختياره.
إن التوازن العقدي يقتضي أن نعلم أن للعبد مشيئة محكومة بمشيئة الحق، وله كسب واختيار يحاسب عليه.
فقولنا إن الله هو كاف عبده، وهو الذي يوفق عبده للتوبة واليقين، لا يرفع عن العبد مسؤولية السعي والالتجاء؛ فالعبد مأمور بالفرار إلى الله والأخذ بالأسباب امتثالاً للأمر، لا ركوناً إليها.
وهكذا ينسجم الإيمان بالقدر مع إثبات مسؤولية العبد، فيبطل الجبر المذموم، ويثبت التوحيد المحمود.
انكسار الأسرار وتحقيق الوفاء بالعبودية يمضي التوجيه العقدي في التفريغ ليربط بين مقام التوحيد ومقام العبودية؛ فإذا تغلغل هذا اليقين في سويداء قلبك، تحركت جوارك طوعاً لتقول بلسان حالها "بلى"، واندفعت أسرارك الباطنة لتعلن التسليم المطلق.
إن الشيخ ينبهنا إلى أن العبودية الحقة تقتضي "الوفاء والاكتفاء"؛ أي أن تفي أنت بحق العبودية الملقى على عاتقك كسباً واختياراً، ليفضل الله عليك بكفايته وربوبيته.
وكما قال العارفون وأئمة التزكية من السلف (ت: القرون الخيرية المعتمدة): "جُدْ بما منك إلينا، لنجود بما منا عليك"⁽²⁾.
وهذا المعنى يوافق تماماً الأصول العقدية المستنبطة من نصوص الوحيين، حيث جعل الله الجزاء من جنس العمل تفضلاً منه، مع بقاء الفضل الأول والأخير له سبحانه وتعالى.
تصحيح أوهام العوام ونفي تضخيم الذات وفي ختام هذا التأصيل العقدي، يتناول الشيخ بالنكير والتصحيح مفاهيم العوام المغلوطة، والذين حصروا معنى الآية في دائرة ضيقة من المخاوف والأوهام، كشر الجار السوء، أو مكر الساحر، أو حسد الحاقدين.
إن هذا الفهم القاصر مرده إلى خلل في تقدير عظمة الله، وتضخيم وهمي للذات، وكأن هذا العبد هو مركز الكون المحسود دائماً! ويتساءل الشيخ مستنكراً ليوقظ القلوب من غفلتها العقدية: "على أي شيء يحسدوننا؟ أوعلى الذنوب نحسد؟!".
إن العقيدة الصحيحة تعيد العبد إلى حجمه الحقيقي، فتبصره بعيوبه وذنوبه، ليتوقف عن رؤية نفسه مستحقاً للتعظيم، ويلتفت بكل كليته إلى ربه تبارك وتعالى، محققاً مقام الاكتفاء والتوحيد الخالص الذي نزل به القرآن الكريم.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الاكتفاء بالله: قراءة روحانية في قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه القلوب وأحكام الاعتماد على الخالق: قراءة فقهية في سر ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار الاكتفاء ومقامات اليقين: قراءة سلوكية لقوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي والإشاري لمقامات الاكتفاء بالله)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أوهام السحر والحسد وتضخم "الأنا" في النفس)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (داء التعلق بالخلق والبحث عن الأمان المادي في جيوب الناس)الأسئلة
وقت القراءة
