Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الفرار إلى الله: أسرار التوكل وخرق العوائد في قصة أهل الكهف

مقال عقدي مستنبط من درر الدكتور جابر بغدادي، يشرح عقيدة أهل السنة في الجمع بين كسب العبد والفضل الإلهي، وحقيقة خرق العوائد وكرامات الأولياء، مع بيان بليغ للفرار إلى الله دون الوقوع في شراك العقيدة الجبرية.

عقيدة الإقبال على الله: بين كسب العبد ومحض الفضل الإلهي يا ولدي، إن المتأمل في قصة الفتية الصادقين يجد فيها تأصيلاً عقدياً راسخاً يضبط بوصلة القلب في مسألة "أفعال العباد" وعلاقتها بالقدر والمشيئة الإلهية. لقد تلفت أهل الكهف يَمْنَةً ويَسْرَةً، فرأوا الخلائق بأسرها قد ركنت إلى عوائد دنيوية وشركية لا تنفع عند الله، فما كان منهم إلا أن تحركوا بإرادتهم الحرة وأقبلوا إلى الله. وهنا يتجلى النداء الرباني في قوله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾⁽¹⁾، والذي يحمل في طياته العقيدية معنى جليلاً: "أقبلوا عليَّ، واقتربوا منا خطوة". إن هذه "الخطوة" التي يخطوها العبد هي محض إرادته وكسبه، وهي شرطٌ لنزول العناية. وهنا نضع تدبيراً احترازياً عقدياً بالغ الأهمية؛ فحين نقول إن الله هو الذي يسير بالعبد ويأويه، لا ينبغي للمرء أن ينزلق إلى فهم "العقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب العبد إرادته وتدعي أنه مسيّر كالريشة في مهب الريح بلا اختيار. بل عقيدة أهل السنة والجماعة تقرر أن للعبد إرادة وكسباً يحاسب عليهما، ولكنه لا يستغني لحظة عن فضل الله وإعانته. أنت تخطو خطوة الفِرار مبتعداً عن بيئة المنكرات، والله يتولى مسيرك إلى المنتهى بفضله. وهذا المعنى العقدي الدقيق هو ما يوضحه الحديث القدسي الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث): «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»⁽²⁾، فالعبد يأتي (إرادة وكسب)، والرب يهرول بالفضل والعطاء (منة وتوفيق). الإيمان بكرامات الأولياء وخرق العوائد الكونية ومن صميم عقيدتنا الإيمان المطلق بأن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأسباب والمسببات، وأنه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وحين ينقطع العبد إليه ويدخل في كنفه، فإن الله يتولاه بحفظه الذي يفوق قوانين الطبيعة. يقول الحق ناطقاً بوعده لأهل الكهف: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾⁽³⁾. لقد خرق الله لأجلهم عوائد الكون، وثبت لهم الزمن، وأوقف عندهم حركة الفناء؛ فلا حوادث الزمن تغيرهم، ولا علل الجسد تطرأ عليهم. وهذا التثبيت للزمن وعدم تعفن الأجساد طيلة ثلاثمائة وتسع سنين هو تأصيل ناصع لعقيدة "إثبات كرامات الأولياء"؛ وهي عقيدة ثابته عند أهل السنة والجماعة رداً على من أنكرها. فالقوانين الكونية ليست إلهاً يُعبد، بل هي مخلوقات طائعة لله، يخرقها لمن يشاء من عباده الذين أعطوا ظهورهم لهرج الوقت، فدخلوا في "دولة الحقيقة" التي لا يكون فيها الفاعل إلا الله. توحيد القصد وعجلة الأنبياء نحو الرضا الإلهي وفي مسار هذا التجريد العقدي، نستلهم من سير الأنبياء حقيقة إفراد الله بالقصد والتوجه. فحين ضاقت السبل بخليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- وتبدل عليه الزمان، أعلن عقيدته الصافية قائلاً: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽⁴⁾. إلى أين كان راكضاً؟ لم يكن المكان هو المقصد، بل كان يعرض بقلبه عن زمانه، وعن مضلات وقته، ليقبل بكليته على الله جل جلاله. وكذلك فعل كليم الله موسى -عليه السلام- حين نطق بلسان المحبة والتوحيد الخالص: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾⁽⁵⁾. إن هذه العجلة ليست مجرد حركة بدنية، بل هي عقيدة الفرار من المعاصي والآثام والإقبال التام على الخالق. فما دام الإنسان قد أقبل على الله، متبرئاً من حوله وقوته، فإن أجره ورعايته تقع على الله وحده، وهذه هي ذروة اليقين والتوكل السليم. عقيدة التسليم للغيبيات والأدب مع أسرار الحق إننا يا ولدي، حين نستشرف أحوال العارفين الذين تركوا هرج الزمان ورحلوا إلى الله، يجب أن نقف موقف التسليم التام لأسرار الله في خلقه. لقد نالت بشريتهم تجليات إلهية عظيمة، حتى غلبت أحوالهم الربانية على ظواهرهم الطينية. وهنا يتدخل التوجيه القرآني ليضع لنا قاعدة عقدية في التعامل مع الغيبيات وما يفوق إدراك العقول: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾⁽⁶⁾. إن العقيدة السليمة توجب علينا ألا نخوض في كنه الأسرار التي احتفظ الله بعلمها، وألا نتعدى حدود الظاهر في أمور تفوق طاقتنا البشرية. فلا أحد يتحمل تفاصيل تجلي الحق على أولئك الفتية، وعلينا أن نكتفي بالتسليم المطلق لقدرة الله وحكمته، تاركين الجدال العقيم، ومنشغلين بما يقربنا زلفى إلى مولانا، مستشرفين أنوار التجلي بالإقبال الصادق والعمل الصالح.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5 دقائق